مقالات وآراء

بكير أتاجان يكتب : غزة في قلب نظريات النظام الدولي .الهيمنة . الانتقال القطبي . الردع المركّب

أولًا: غزة واختبار نظرية الهيمنة
في نظرية الهيمنة، لا تُقاس قوة الدولة المهيمنة بتفوّقها العسكري وحده، بل بقدرتها على فرض القواعد ومنع تحدّيها. من هذا المنظور، تمثّل غزة كسرًا خطيرًا لمنطق الهيمنة، لأنها:
• ترفض الخضوع رغم اختلال ميزان القوة اختلالًا ساحقًا.
• تفرض كلفة سياسية وأخلاقية متصاعدة على الراعي الدولي للهيمنة.
• تكشف حدود القوة الصلبة عندما تواجه إرادة غير قابلة للإخضاع.

لهذا لا تُدار غزة كصراع ينبغي حسمه، بل كـ مشكلة يجب احتواؤها: إعلاميًا، زمنيًا، وسرديًا، منعًا لتحوّلها إلى نموذج مُلهِم لكسر الهيمنة في ساحات أخرى من العالم.

ثانيًا: غزة في سياق الانتقال القطبي
يشهد النظام الدولي مرحلة انتقال من أحادية قطبية إلى تعددية غير مستقرة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية:
• تتكاثر الحروب بالوكالة.
• تتحوّل الأقاليم الهشّة إلى ساحات اختبار.
• تُشدد القبضة على الرموز القادرة على تسريع الانهيار الرمزي للقطب المهيمن.

غزة هنا ليست ضحية هذا الانتقال، بل مُسرِّعًا له. لذلك يسعى القطب المهيمن إلى:
• منع تحوّل غزة إلى نقطة التقاء رمزية بين قوى صاعدة كروسيا والصين ودول الجنوب العالمي.
• كبح أي اصطفاف دولي يُعيد تعريف فلسطين بوصفها قضية تحرّر، لا مجرّد أزمة إنسانية.

في هذا السياق، لا يُفهم التصعيد الإقليمي بوصفه نتيجة للفوضى، بل كأداة لإدارة الانتقال القطبي وضبط إيقاعه.

ثالثًا: الردع المركّب وغزة
الردع المستخدم في حالة غزة لا يندرج ضمن الردع النووي أو التقليدي فحسب، بل يتّخذ شكل ردع مركّب متعدد الطبقات:
• قوة عسكرية مباشرة داخل غزة.
• ردع إقليمي عبر التهديد المستمر لإيران وحلفائها.
• ردع داخلي للدول العربية من خلال تفكيك الاستقرار وزعزعة التماسك الداخلي.
• ردع دولي عبر العقوبات، العزلة، وكلفة الاصطفاف السياسي.

هذا الردع لا يستهدف منع الحرب، بل منع اتساع معناها؛ أي منع غزة من التحوّل إلى شرارة نظامية تُعيد رسم التحالفات الدولية.

رابعًا: لماذا غزة خطيرة نظريًا؟
لأنها تضرب ثلاث مسلّمات مركزية في الفكر الاستراتيجي الغربي دفعة واحدة:

  1. الهيمنة لا تُكسر.
  2. الردع ينجح دائمًا.
  3. الانتقال القطبي يمكن إدارته بهدوء.

غزة تُفشل هذه الفرضيات عمليًا، ولهذا تُدار بعنف استثنائي وصمت دولي منسّق، يتجاوز منطق المصالح الآنية إلى حماية بنية النظام ذاته.

خامسًا: ما الذي يُحضَّر لاحقًا؟
من منظور نظري، يتم التحضير لـ:
• إخراج غزة من معادلة الهيمنة.
• تحييدها عن توازنات الانتقال القطبي.
• إعادة تعريفها بوصفها “مشكلة أمنية محلية” لا عقدة نظامية كبرى.

غير أن الفشل في تحقيق ذلك سيجعل من غزة أول شرخ معلن في جدار النظام الدولي القديم.

الخلاصة

غزة ليست على هامش النظام الدولي.
غزة تقف في قلب نظرياته.

ومن هنا تأتي خطورتها… لا من ضعفها.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى