شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: 11 فبراير… نهاية سعيدة في فيلمٍ لم يُكتب فصله الأخير

11 فبراير ليس تاريخًا عابرًا في الذاكرة المصرية، بل لحظة مكثفة تتقاطع فيها النهايات مع البدايات، وتبدو فيها الخاتمة مُبهجة على الشاشة، بينما يظل السؤال الأكبر معلقًا: ماذا بعد؟

في هذا اليوم، يحمل التاريخ إشارات رمزية متجاورة؛ يومٌ شهد ميلاد الملك فاروق في عشرينيات القرن الماضي، ثم عاد بعد عقود ليحمل مشهدًا سياسيًا بالغ الدلالة، حين ظهرت عبارة “النهاية” على الشاشة بصوتٍ رسمي، فظن كثيرون أن الحكاية اكتملت.

مساء 11 فبراير 2011، بدا المشهد كما لو كان خاتمة فيلمٍ أبيض وأسود: إعلان تنحي رئيس حكم ثلاثين عامًا، وفرحٌ عارمٌ عمّ الميادين بعد سبعة عشر يومًا من احتجاجاتٍ ملأت الشوارع. دموع، هتافات، أعلام، وأحضان غرباء التقوا على لحظة ظنوها الخلاص.

لكن السينما نفسها تُعلّمنا أن كلمة “النهاية” ليست دائمًا نهاية القصة. فكم من فيلمٍ ينتهي بزواج العريس بالعروس، ولا أحد يسأل: ماذا عن اليوم التالي؟ ماذا عن العيش المشترك؟ ماذا عن الخلافات والسلطة داخل العلاقة؟

11 فبراير كان نهاية مشهد، لا نهاية نظام. سقوط الرأس لم يكن تفكيكًا للجسد، والفرح المشروع لم يكن مشروعًا سياسيًا مكتملًا، بل لحظة عاطفية سبقت بناء البديل.

الساعات التي سبقت البيان حملت توتراتٍ وصراعاتٍ داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالسلطة آنذاك؛ خلافاتٌ وتشنجاتٌ ومحاولاتٌ أخيرة لتأجيل ما لم يعد قابلًا للتأجيل. تفاصيل كثيرة لم تُروَ كاملة حتى اليوم، لكنها تذكّرنا بأن النهايات الكبرى نادرًا ما تكون بسيطة.

هنا تتقاطع يناير مع فبراير: يناير كسرت الخوف، وفبراير أعلن نهاية الحاكم. لكن ما بين الكسر والنهاية لم يكن هناك عقدٌ واضح لما بعد النهاية.

الثورة لم تطلب السلطة، بل طلبت المعنى. لم تخرج لتجلس مكان أحد، بل لتغيّر قواعد الجلوس نفسها. ولهذا لم تنتصر سريعًا، ولم تنهزم نهائيًا.

بعد خمسة عشر عامًا، يبدو 11 فبراير أكثر هدوءًا في الذاكرة، لكنه أشد إرباكًا في الأسئلة. لم يعد السؤال: لماذا انتهى حكمٌ طويل؟ بل: لماذا لم تتغير بنية الحكم؟ ولماذا شُوِّهت السياسة حتى بدا الصمت فضيلة؟

المفارقة أن 11 فبراير، في أكثر من محطة تاريخية، كان إعلان نهايةٍ دون اتفاقٍ مسبق على البديل: نهاية مشهد، وبداية فراغ. والفراغ—كما علّمنا التاريخ—لا يبقى فراغًا طويلًا.

لذلك لا يصح أن نقرأ 11 فبراير نصرًا كاملًا ولا هزيمة كاملة، بل درسًا مفتوحًا في التاريخ المصري عن خطورة الاكتفاء بلحظة الذروة دون إعداد ما بعدها.

يناير لم تفشل؛ لكنها كشفت حجم المهمة. و11 فبراير لم يكن خاتمة، بل سؤالًا كبيرًا أُجّل طرحه: كيف نضمن ألا تتحول النهايات السعيدة إلى بداياتٍ مربكة؟

بعد كل نهاية، هناك يومٌ تالٍ. وبعد كل تنحٍّ، هناك نظام. وبعد كل ثورة، هناك امتحان أصعب من إسقاط الحاكم: بناء الدولة.

لهذا يبقى 11 فبراير يومًا يستحق التأمل لا الاحتفال فقط، والمراجعة لا التقديس؛ لأنه اليوم الذي قال فيه التاريخ: انتهى فصل… لكن الرواية لم تُكتب بعد.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى