ذكرى إجبار طلعت حرب على التنحي عن عرش بنك مصر

تحل اليوم ذكرى واقعة أليمة في تاريخ الاقتصاد الوطني حين أُجبر الاقتصادي الفذ طلعت حرب على تقديم استقالته من رئاسة بنك مصر في الرابع عشر من شهر سبتمبر لعام ألف وتسعمائة وتسعة وثلاثين ميلادية ، وتمثل هذه الاستقالة لحظة فارقة أنهت حقبة التأسيس الوطني الحر وفتحت الباب أمام تدخلات سافرة في استقلال القرار المالي الذي صانه طلعت حرب لسنوات طويلة ، وجاء هذا القرار القسري في جوهره تزامنا مع اندلاع الحرب العالمية الثانية وما تبعها من اضطرابات حادة مست حركة التجارة والسيولة في الأسواق العالمية والمحلية ، واستغلت الدوائر الحكومية والضغوط البريطانية هذا المناخ لشن حملة شعواء استهدفت النيل من استقلالية المؤسسة المالية الأهم في البلاد وتشويه صورتها أمام المودعين ، وتعتبر مسيرة طلعت حرب مع بنك مصر تجربة فريدة في التنمية الوطنية القائمة على التصنيع والاعتماد على الذات بعيدا عن التبعية للمصالح الأجنبية.
دوافع الإطاحة برمز الاستقلال الاقتصادي طلعت حرب
استهدفت الحملة الممنهجة شخص طلعت حرب بصفته صاحب مشروع كاريزمي لا يدين بالولاء للتيارات السياسية أو القصر أو سلطات الاحتلال التي كانت تحكم قبضتها على مقدرات الوطن ، وأدرك الخصوم أن وجود طلعت حرب على رأس بنك مصر يمثل عائقا أمام تحويل هذه القلعة الاقتصادية إلى مؤسسة منضبطة سياسيا وتابعة للقرار الرسمي الموجه ، وبدأت وزارة المالية آنذاك بالتعاون مع دوائر صحفية في الترويج لادعاءات كاذبة حول الإدارة غير الرشيدة والمغامرة بأموال المودعين في مشروعات صناعية طويلة الأجل ، وكان الهدف الحقيقي هو كسر شوكة الاستقلال الاقتصادي الذي نادى به طلعت حرب منذ عشرينيات القرن الماضي ونجح في تحويله إلى واقع ملموس عبر عشرات الشركات والمصانع ، وصار الضغط على الرجل ضرورة لإخضاع المؤسسة التي بناها بكفاحه لتكون صرحا لكل المصريين لا أداة في يد السلطة.
تضحية المؤسس ونتائج غياب العصر الذهبي لبنك مصر
اختار طلعت حرب في الرابع عشر من سبتمبر أن يضحي بموقعه الشخصي في سبيل إنقاذ الكيان الذي وهبه حياته مفضلا الانسحاب على تفكيك المشروع أو تعريض أموال الناس للخطر ، وقدم طلعت حرب باستقالته درسا نادرا في أخلاقيات القيادة والإيثار الوطني بعد أن فطن بذكائه أن رأسه هي الثمن المطلوب لتهدئة العاصفة المصطنعة ضد البنك ، وتغيرت ملامح بنك مصر عقب رحيل مؤسسه حيث زادت الرقابة الحكومية وتقلصت الجرأة في اقتحام المجالات الصناعية الكبرى ليتحول تدريجيا إلى بنك تقليدي يحكمه الحذر المفرط ، وغابت برحيله روح المغامرة الوطنية التي جعلت من المؤسسة قاطرة للتنمية الشاملة مما دفع المفكرين لوصف تلك اللحظة بأنها بقاء للبنك وغياب للعصر الذي مثله ، وتظل ذكرى استقالة طلعت حرب شاهدة على أول مواجهة مباشرة بين مشروع وطني مستقل وبين دولة لم تحتمل رؤية ثمار هذا الاستقلال تنمو بعيدا عن هيمنتها.







