إلغاء القوانين الأردنية في الضفة الغربية يضع المجتمع الدولي أمام اختبار قانوني وأخلاقي

تضع القرارات الإسرائيلية الأخيرة الخاصة بإلغاء القوانين الأردنية في الضفة الغربية المحتلة المجتمع الدولي أمام اختبار قانوني وأخلاقي جديد، في ظل مخاوف من تفكيك منظومة تشريعية شكّلت منذ عام 1953 الإطار السيادي المنظم لملكيات الأراضي وحائط الصد الأبرز في مواجهة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي.
وتُعد قضية الأرض في الضفة الغربية من أعقد الملفات القانونية والسياسية في المنطقة، إذ تعيد الخطوة الإسرائيلية فتح ملف “الخصوصية التشريعية” التي ربطت الضفة الغربية بالمملكة الأردنية الهاشمية لعقود. ويُنظر إلى هذا التحرك على أنه مسعى لتفكيك منظومة قانونية أسست لحماية الملكيات ومنع تحويل الضفة إلى سوق مفتوحة للمشاريع الاستيطانية.
وبين عامي 1950 و1967، أدار الأردن الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، قبل احتلالها من قبل إسرائيل. ويرى مراقبون أن الإجراء الإسرائيلي الأخير يستهدف إنهاء “الولاية القانونية” الأردنية المستمرة تاريخيًا في الأراضي المحتلة، والتي شكّلت مرجعية أساسية في تثبيت الهوية العقارية للأرض وحماية الوضع القائم.
موقف الأردن
أدان الأردن قرارات الحكومة الإسرائيلية الرامية إلى فرض السيادة وترسيخ الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، واصفًا إياها بأنها “غير شرعية وخرق فاضح للقانون الدولي” واعتداء على حق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة.
وأكدت وزارة الخارجية الأردنية، في بيان، أن هذه الخطوة تمثل تقويضًا لحل الدولتين واعتداءً على حق الفلسطينيين غير القابل للتصرف في تجسيد دولتهم المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من يونيو/حزيران 1967 وعاصمتها القدس المحتلة، مشددة على أنه “لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة”.
ودعت الخارجية الأردنية المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وإلزام إسرائيل بوقف تصعيدها الخطير في الضفة الغربية المحتلة.
حائط صد تشريعي
ويرى مختصون أن المنظومة القانونية الأردنية لم تكن مجرد نصوص إجرائية، بل مثّلت طوال عقود حائط صد قانوني حال دون تسهيل الاستيطان وبيع الأراضي، وأسهمت في الحفاظ على المرجعيات القانونية العربية المستقرة للأرض.
ويؤكد مراقبون أن الدفاع عن هذه الأطر التشريعية بات ضرورة استراتيجية لمنع فرض واقع قانوني جديد يهدف إلى فك الارتباط بين الأرض الفلسطينية ومرجعياتها التاريخية والقانونية.
خلفية أمنية وتحذير من الصمت
قال عبد الله كنعان، أمين عام اللجنة الملكية الأردنية لشؤون القدس، إن التحرك الإسرائيلي “يتجاوز البعد الإداري إلى الاستهداف الوجودي”، معتبرًا أن القرارات الأخيرة تأتي ضمن نهج احتلالي يسعى لشرعنة الاستيطان والضم وتهجير الفلسطينيين.
وأوضح كنعان أن صدور هذه القرارات عن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) يعكس خلفيتها الأمنية وسيطرة أحزاب يمينية متطرفة على القرار السياسي. وشدد على أن القوانين الأردنية المتعلقة بالأراضي لا تزال سارية بحكم الوضع التاريخي والقانون الدولي، وأن أي محاولة لتغييرها تعد باطلة ولاغية.
وحذر كنعان من خطورة الصمت الدولي، معتبرًا أن تجاهل هذه الخطوات يفتح الباب أمام سابقة خطيرة تبيح لقوة الاحتلال إلغاء قوانين الأقاليم المحتلة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي.
ميزان القانون الدولي
من جانبه، قال عيسى الشلبي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الحسين بن طلال، إن إسرائيل قد تمتلك القدرة العسكرية لفرض قراراتها، لكنها تفتقر إلى الشرعية القانونية لإلغاء القوانين الأردنية أو استبدالها بقوانينها السيادية.
وأوضح الشلبي أن هذا الإجراء يمثل خرقًا جسيمًا لاتفاقية جنيف الرابعة ولوائح لاهاي، وقد يرقى إلى جريمة حرب، خاصة مع تسهيل بيع الأراضي للمستوطنين في مخالفة لقرارات مجلس الأمن الدولي.
وأكد أن الأردن يملك أدوات دبلوماسية وقانونية لتعطيل شرعنة القرار دوليًا، عبر الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، إضافة إلى التنسيق الأردني الفلسطيني لحماية المرجعية القانونية والتاريخية للأراضي المحتلة.
قرارات الكابينت
وكان المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية قد أقر، الأحد، قرارات تستهدف تغيير الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية المحتلة، من بينها إلغاء القانون الأردني الذي يمنع بيع أراضي الفلسطينيين لليهود، ونقل صلاحيات التخطيط والبناء في مناطق مثل الخليل من الإدارة الفلسطينية إلى الإسرائيلية.
وتأتي هذه الخطوات في وقت تشهد فيه الضفة الغربية تصعيدًا إسرائيليًا متواصلاً منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ما أسفر عن مقتل أكثر من ألف فلسطيني، وإصابة الآلاف، واعتقال عشرات الآلاف، وسط توسع استيطاني متسارع.






