حدث في مثل هذا اليوم

في الذكرى الـ99 لميلاد أحمد بهاء الدين.. ربع قرن من الحضور الفكري والتنويري

تحلّ الذكرى الـ99 لميلاد الكاتب الصحفي والمفكر التنويري أحمد بهاء الدين، أحد أبرز الأسماء التي تركت أثرًا عميقًا في الصحافة والفكر العربيين، بعدما امتد حضوره أكثر من ربع قرن في المشهد الثقافي والسياسي.

شخصية فارقة وكاتب فذ، مثقف تنويري بامتياز، لديه وعي فائق وموهبة غير متكررة، عُرف بتحليله الجاد للقضايا السياسية والمجتمعية، سواء المحلية أو العربية، بينما كان يبتعد بنفسه عن الخطوط التحريرية المعروفة التي تختلط بالمواقف السياسية والأيديولوجية الجامدة.

وُلد أحمد بهاء الدين في الإسكندرية في 11 فبراير عام 1927م، حيث كان والده يعمل بوزارة الأوقاف بالإسكندرية، إلا أن جذور العائلة تعود إلى قرية الدوير بمركز صدفا في محافظة أسيوط. وتخرج في كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول عام 1946م.

«السداح مداح».. مواجهة مبكرة لسياسة الانفتاح

كان أحمد بهاء الدين أول من هاجم عشوائية سياسة الانفتاح الاقتصادي المتبعة في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، وذلك بمقاله الأشهر «السداح مداح» أثناء رئاسته لتحرير الأهرام.

وتربت أجيال عربية على كتب أحمد بهاء الدين ومقالاته في «صباح الخير» ودار الهلال و«الأهرام» و«العربي» الكويتي.

متسق مع ذاته باقتدار، مؤمن بكل ما يكتب، كان مزيجًا من الوطنية الصادقة والحس الإنساني والقدرة على التحليل والنفاذ إلى المستقبل.

المرض بعد الهزيمة والغزو

في الخامس من يونيو 1967م هُزمت مصر، فأصيب أحمد بهاء الدين بمرض السكري، كما أصيب بنزيف في المخ جراء متابعة غزو العراق للكويت، ودخل في غيبوبة استمرت ست سنوات حتى عام 1996م.

وكتب عنه الأستاذ محمد حسنين هيكل وقتها:
«اعترف أنني طوال أزمة وحرب الخليج لم أفتقد رأيًا كما افتقدت رأي أحمد بهاء الدين. وفي وسط الطوفان العارم الذي ساح فيه الحبر على الورق أكثر مما ساح من الدم في ميادين القتال، فإن كلمة أحمد بهاء الدين كانت هي الشعاع الوحيد الغائب في وهج النار والحريق. كان الكل حاضرين، وكان وحده البعيد مع أنه كان الأقرب إلى الحقيقة والأكثر قدرة على النفاذ إلى جوهرها وصميمها. ولم يكن ابتعاده الاضطراري مجرد خسارة للعقل المتوازن في أزمة جامحة، ولكن الخسارة كانت أكبر لأن معرفته ببؤرة الصراع كانت أدق وأعمق بحكم أنه قضى خمس سنوات من عمره مهاجرًا بعمله وقلمه للكويت، ومن هناك أطل على الخليج كله ورأى ودرس وفهم بعمق كما هي عادته».

مدرسة «صباح الخير» وتجديد الشكل الصحفي

رأس أحمد بهاء الدين تحرير مجلة «صباح الخير» في يناير 1956م، وعمره لا يتعدى التاسعة والعشرين. وكانت المجلة خطوة صحفية مبكرة لظهور مدرسة صحفية جديدة في مادتها وشكلها، ونجحت في جذب جيل جديد وبعث دماء جديدة، وقدمت رؤية عصرية لمصر والعالم.

عبرت عن هذه الأفكار بأشكال فنية وجمالية جديدة، اعتمدت على الرسومات بدلًا من الصورة الفوتوغرافية، وأعطت للكاريكاتير مساحة واسعة، وخرجت هذه الرؤية الصحفية في شكل إخراجي مختلف لم تشهده الصحافة العربية من قبل.

كما كانت يومياته في جريدة «الأهرام» رصدًا دقيقًا للأحوال الاجتماعية والسياسية والثقافية التي شهدتها مصر.

37 كتابًا بين السياسة والفكر

لأحمد بهاء الدين 37 كتابًا، من أشهرها: «يوميات هذا الزمان»، و«المثقفون والسلطة في عالمنا العربي» (كلاهما بتقديم محمد حسنين هيكل)، «أيام لها تاريخ»، «محاوراتي مع السادات»، «أفكار عصرية»، «الثورات الكبرى»، «هذه الدنيا»، «وتحطمت الأسطورة عند الظهر»، و«فاروق ملكًا».

استقلالية بهاء الدين بعد ثورة يوليو

أثبتت الدراسات التي بحثت علاقة المثقف بالسلطة بعد ثورة يوليو 1952م، أن أحمد بهاء الدين قدم نموذجًا فريدًا لهذه العلاقة، جعله أكثر موضوعية وأكثر مصداقية.

كثيرون من الكتاب والصحفيين اقتربوا من السلطة حد الالتصاق، وقليلون حافظوا على درجة معقولة من الاستقلالية في الرأي، والأقل هم الذين انحازت مواقفهم لقناعاتهم وحدها، سواء أيدوا صاحب السلطان أم عارضوه. من هؤلاء القلة كان أحمد بهاء الدين، الذي ظل متسقًا مع دوره ومشروعه التنويري.

رؤية لإعادة رسم خريطة مصر

من أبرز الجوانب التي لم تنل حظها من الاهتمام في مشروعه، رؤيته لرسم خريطة جديدة لمصر، وإعادة بناء القرية المصرية، ونقل الكثافة السكانية إلى الصحراء وخلق مناطق إنتاجية وصناعية فيها.

كان يرى أن حل معظم المشكلات يكمن في «الاهتمام بالمحافظات حتى يكون لدينا مدن ومراكز حضارية في الأقاليم تنافس القاهرة في كل الخدمات»، وهو ما تسعى إلى ترجمته اليوم جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين.

جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين

يُعد مجمع أحمد بهاء الدين، الذي أقامته الجمعية بقرية «الدوير» بتكلفة 7 ملايين جنيه، أكبر مجمع ثقافي يُقام في قرية عربية، وأقيم على مساحة 360 مترًا.

نال المجمع قبل افتتاحه عدة جوائز دولية في التصميم لهندسته الفريدة التي تدمج جماليات المعمار وتنسجم في الوقت نفسه مع تراث الصعيد. يبلغ ارتفاع المبنى خمسة طوابق ويضم 15 قاعة، بكل واحدة نشاط مختلف، ويتيح فرصة لمشاهدة وممارسة وتعلم اللغات والكمبيوتر والفنون التشكيلية والمسرح والموسيقى والأدب والسينما والعرائس والغناء، فضلًا عن دوره في محو الأمية وتعليم القرآن والعلوم الشرعية.

ويحتوي المجمع أول مكتبة تضم أكثر من 5 آلاف كتاب، بالإضافة إلى أكبر مكتبة متخصصة في مصر للقضية الفلسطينية تضم 2500 كتاب.

وضم مجلس إدارة الجمعية كلاً من: محمد حسنين هيكل، وأحمد ماهر وزير الخارجية المصري، والدكتور جلال أمين، والدكتور محمود عبدالفضيل، والمستشار طارق البشري، والدكتورة رضوى عاشور، ووزير الثقافة الأسبق عماد أبو غازي، وزياد أحمد بهاء الدين رئيس مجلس الإدارة، وقد حضروا جميعًا افتتاح الجمعية في 24 ديسمبر 2010م بقرية الدوير.

وتسير الجمعية في مسارين، رافعة منذ إنشائها شعار التنوير والتعليم والتأهيل والثقافة والإبداع؛ الأول يتضمن تطوير مشروعات تعليمية وصحية، ودعم مستشفى صدفا المركزي، وتطوير ملاعب مركز شباب الدوير، وتطوير مدارس القرية، وإنشاء مركز التدخل المبكر للتأهيل الاجتماعي للأشخاص ذوي الإعاقة.

رحم الله أحمد بهاء الدين، وأسكنه فسيح جناته، لتبقى سيرته ومشروعه التنويري شاهدين على مرحلة فارقة في تاريخ الصحافة والفكر العربي.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى