
العاشر من فبراير لا يمرّ عاديًا في تاريخ الوطنية المصرية.
هو اليوم الذي غاب فيه جسد شاب، وبقيت روحه تقود أمة.
رحل مصطفى كامل عام 1908، ولم يكن قد تجاوز الرابعة والثلاثين،
كأن القدر أراد أن يختصر العمر ليُكثّف الأثر.
لم يكن مصطفى كامل خطيبًا فقط، ولا صحفيًا عابرًا،
بل فكرة تمشي على قدمين،
وصوتًا يعرف أن الكلمة حين تصدق
تصير سلاحًا لا يصدأ.
وُلد في 14 أغسطس 1874،
لأبٍ عسكري، علي محمد،
رزقه الله بابنه وهو في الستين،
فنشأ الطفل وكأن عليه أن يعجّل الزمن،
وأن يحمل عبئًا أكبر من عمره.
التعليم كان بوابته الأولى إلى الحرية.
أتمّ المرحلة الابتدائية،
ثم التحق بالمدرسة الخديوية الثانوية،
وهناك لم ينتظر أن يتخرج ليقول رأيه.
أسّس جماعة أدبية وطنية،
وكان يخطب في زملائه،
كأن المنبر ناداه قبل أن يناديه المنصب.
حصل على الثانوية وهو في السادسة عشرة،
ثم التحق بمدرسة الحقوق عام 1891،
المدرسة التي كانت—في ذلك الزمن—
مصنعًا للعقول والخطباء معًا.
أتقن الفرنسية،
وصقل لسانه،
وتنقّل بين الجمعيات الوطنية،
فتكوّنت وطنيته بالاحتكاك لا بالتلقين.
في تلك السنوات،
تعرف على رموز فكر وأدب،
منهم إسماعيل صبري،
وخليل مطران،
وبشارة تكلا مؤسس جريدة الأهرام،
الذي فتح له صفحات صحيفته،
ثم نُشرت مقالاته في جريدة المؤيد،
فتحوّل القلم إلى منصة نضال.
عام 1893 سافر إلى فرنسا لدراسة الحقوق،
وهناك لم يكتفِ بالمدرجات،
بل دخل صالونات الفكر،
وتعرّف إلى رجال الثقافة،
وتعلّم كيف تُدار المعارك في عقر دار الخصم.
عودته إلى مصر كانت بداية الصدام الحقيقي.
هجوم الصحافة البريطانية عليه زاد شهرته،
وجعل اسمه يتردد خارج الحدود.
وحين وقعت حادثة دنشواي،
كان صوته في أوروبا وبريطانيا
أعلى من الرصاص،
يدافع عن كرامة الفلاح المصري،
ويفضح وحشية الاحتلال.
العلاقة مع الخديو عباس حلمي الثاني
جاءت في سياق صراع مبكر مع اللورد كرومر.
التقى الهدفان:
حاكم يريد أن يستعيد هامش السيادة،
وزعيم شاب يعرف أن الاستقلال لا يُستجدى.
عام 1900 أصدر جريدة اللواء اليومية،
لتكون منبر الحزب قبل أن يكون للحزب اسم.
ثم أسّس الحزب الوطني،
واضعًا برنامجًا لا يهادن الاحتلال،
ولا يساوم على الكرامة.
أقواله لم تكن شعارات،
بل خلاصة تجربة مبكرة مع الحياة:
«لو لم أكن مصريًا لوددت أن أكون مصريًا»،
«لا معنى لليأس مع الحياة، ولا معنى للحياة مع اليأس»،
«الأمة التي لا تأكل مما تزرع ولا تلبس مما تصنع
محكوم عليها بالتبعية والفناء».
كلمات كُتبت لتُحفظ،
لا لتُزيّن الجدران.
المرض داهم الجسد،
لكن الفكرة كانت قد سبقت الضعف.
رحل مصطفى كامل في 10 فبراير 1908،
شابًا،
مكتمل الرسالة،
كأن العمر لم يكن شرطًا للنضج.
بعد الرحيل،
لم تنطفئ الراية.
انتقلت إلى رفيقه وتلميذه محمد فريد،
لتستمر المعركة،
ويستمر السؤال.
وجوه لا تغيب…
لأن بعض الزعماء
لا يقاسون بعدد السنوات،
بل بعدد القلوب التي أيقظوها.
ولأن مصطفى كامل
رحل مبكرًا،
لكنه ترك وطنًا
يتعلّم كيف يحلم.








