تتجدد المأساة بسقوط ضحية جديدة، كاشفة وجها مظلما للعنف الأسري المتجذر.

بدأت مأساة جديدة تفرض نفسها على واقع المجتمع برحيل ضحية أخرى انضمت إلى سجلات الفجيعة، حيث تسببت جرائم العنف الأسري في إنهاء حياة شابة في مقتبل العمر بمحافظة المنوفية، لفتح ملفات المسكوت عنه في علاقات الزواج التي تتحول خلف الأبواب المغلقة إلى ساحات للتعذيب الممنهج، وسط غطاء ثقافي واجتماعي يبرر التنكيل بالنساء تحت دعاوى التأديب والحفاظ على كيان الأسرة من الانهيار.
تصاعد معدلات جرائم العنف الأسري في القرى المصرية يثير الفزع
شهدت قرية بره التابعة لمركز قويسنا واقعة مروعة هزت أركان محافظة المنوفية، بعدما لفظت كريمة محمد صقر أنفاسها الأخيرة نتيجة اعتداء وحشي بالضرب المبرح فارقت على إثره الحياة، ولم تكن الضحية وحدها هي القتيلة في هذه الجريمة بل فقدت جنينها الذي كانت تحمله في أحشائها، وجاءت هذه النهاية المأساوية بعد مرور 120 يوما فقط على مراسم زفافها، لتتحول صور العرس التي جمعتها بزوجها على منصات التواصل الاجتماعي إلى شاهد عيان على غدر غير متوقع، حيث لم تكن الملامح الهادئة في تلك الصور تنبئ بحجم الوحشية التي ستلقاها ابنة العشرين عاما على يد شريك حياتها، الذي لم يراع حرمة النفس ولا ميثاق الزواج الغليظ، لتصبح كريمة محمد صقر رقما جديدا يضاف إلى كشوف ضحايا قتل النساء، وتعيد تسليط الضوء على مخاطر تطبيع العنف داخل المنازل واعتباره شأنا عائليا لا يجوز التدخل فيه.
أفاد والد المجني عليها في تصريحاته أن ابنته كانت عروسا جديدة لم يمر على زواجها سوى 120 يوما، وأقر بأنها تعرضت لعنف سابق لكنها عادت إلى منزل الزوجية من أجل استمرار الحياة، وتجسد هذه الكلمات مأساة حقيقية تعيشها الكثير من الفتيات في الأقاليم، حيث يتم إجبارهن على الصمت مقابل البقاء في ظلال الزواج، وكشف الواقع الأليم عن خصوصية العنف ضد النساء في الريف، حيث تتصاعد الجرائم بشكل مفزع نتيجة موروثات ثقافية تعلي من شأن الذكر على حساب الأنثى، وبدأت هذه المنظومة التمييزية منذ الصغر كما وصفتها قديما الدكتور نوال السعداوي في كتاباتها حول التفرقة بين الإخوة في المعاملة والمأكل، وصولا إلى مرحلة يعتبر فيها قتل النساء نتيجة متوقعة لتراكمات من القمع والاضطهاد الذي يبدأ بالختان وتدني نسب التعليم وينتهي بإزهاق الروح.
ثقافة الصمت والتحيز القانوني يعززان ظاهرة جرائم العنف الأسري
أكدت المتخصصة لمياء لطفي أن هناك قبولا مجتمعيا وتطبيعا مع فكرة ضرب الزوجات في المناطق الريفية، وأوضحت أن انتشار الزواج المبكر وغياب برامج التوعية الفعالة يعززان من سلطة “بيت العيلة” التي تفرض رقابة صارمة وضغوطا دائمة على الزوجة الجديدة، وأشارت لمياء لطفي إلى أن العنف الاقتصادي يلعب دورا محوريا في هذه الدائرة، حيث تفتقر النساء إلى الاستقلال المادي ويعملن في الزراعة بلا أجر، مما يجعلهن أسيرات لواقع مرير يمنعهن من الإبلاغ عن الجرائم خوفا من وصمة الطلاق التي تعتبر في بعض الثقافات أثقل من الموت نفسه، وذكرت أن الجيران غالبا ما يتعاملون مع صرخات الضحايا كأمر طبيعي يحدث في كل البيوت، مما يمنح الجاني شعورا بالأمان من العقاب والملاحقة القانونية أو المجتمعية.
سجلت البيانات الرسمية الصادرة عن مؤسسة إدراك خلال عام 2024 ما يقرب من 363 واقعة قتل استهدفت نساء وفتيات، بالإضافة إلى 100 حالة شروع في قتل، واعتبرت هذه الإحصائيات دليلا دامغا على وجود خلل بنيوي يرى جرائم العنف الأسري مجرد حوادث فردية، وتطرقت الباحثة هند السيد في دراستها حول دوائر العنف بالريف المصري إلى أن هذه المسألة تعتبر سياسية عامة وليست شأنا خاصا، لأنها تنتج عن موروث ينتقل عبر الأجيال، وانتقدت ورقة بحثية لمؤسسة المرأة الجديدة بعض نصوص قانون العقوبات المصري، وخاصة المادة 60 التي قد تستخدم لتبرير الضرب تحت مسمى حق التأديب الشرعي، وهو ما وصفته المحامية آية حمدي بالرأفة القضائية التي قد تتحول إلى تحيز قانوني يمنح الرجل وضعا تفضيليا أمام منصات القضاء.
شددت الجهات الحقوقية على أن كريمة محمد صقر لم تقتل فجأة، بل قتلت بالتدريج عبر منظومة كاملة شاركت فيها الثقافة والقانون الذي يرفض أحيانا الاعتراف بجرائم مثل الاغتصاب الزوجي، ورفضت الأوساط النسوية ما يروج له بعض الدعاة حول اعتبار رفض العلاقة نشوزا، مما يشرعن استخدام القوة البدنية ضد الزوجات، وخلص التقرير إلى أن حماية النساء تتطلب ثورة على المفاهيم البالية وتعديلات تشريعية تقضي على ثغرات الرأفة في حالات القتل العمد، لضمان ألا تتكرر مأساة عروس المنوفية في قرى أخرى، ولإيقاف نزيف الدماء الذي يراق باسم الحفاظ على كيان الأسرة والسمعة، بينما الحقيقة أن الصمت هو القاتل الأول قبل سلاح الجاني.







