ميليشيات الإمارات في اليمن تُشعل الجبهات وتدفع البلاد نحو نموذج الفوضى السوداني

كثّفت ميليشيات مدعومة من دولة الإمارات هجماتها ضد قوات الأمن اليمنية في أكثر من محافظة وموقع، في محاولةٍ واضحة لفرض واقعٍ أمني وسياسي بالقوة، واستنساخ نموذج الفوضى الذي انزلق إليه السودان.
وتقوم الرسالة الإماراتية، كما يقرأها الميدان، على منطق الصراع الصفري، فإمّا الخضوع الكامل لأبوظبي، أو إحراق الساحة اليمنية بلا اكتراث بالكلفة الإنسانية والوطنية.
وخلال الأسابيع الأخيرة، شهدت محافظات جنوبية وشرقية اشتباكات متزامنة، اتسمت بالتخطيط والانتشار المنظم، واستهداف مؤسسات أمنية رسمية.
ففي عدن، تجددت التوترات عند نقاط حساسة، بينما سُجلت اعتداءات وكمائن في شبوة وأبين، وتحرشات مسلحة في أطراف حضرموت. الهدف واحد: إنهاك قوات الأمن، وإرباك القيادة المحلية، وفرض معادلة سلاح فوق الدولة.
وأكدت مصادر أمنية يمنية أن هجمات الميليشيات جاءت ضمن نسقٍ تصاعدي يراهن على تشظية القرار الأمني وتفكيك السلسلة القيادية.
وتلفت إلى أن الميليشيات المرتبطة بأبوظبي—بما فيها تشكيلات من قوات الحزام الأمني—تحظى بتمويل وتسليح وتغطية سياسية، بما يسمح لها بالتحرك خارج أي إطار قانوني، وبلا مساءلة. هذا السلوك لا ينسف فقط هيبة الدولة، بل يفتح الباب أمام اقتتال داخلي طويل الأمد.
واللافت أن هذا التصعيد يتزامن مع محاولات فرض ترتيبات سياسية وأمنية على الأرض تخدم أجندة الانفصال وإعادة رسم النفوذ. فالدعم الإماراتي المتواصل لـ المجلس الانتقالي الجنوبي لم يعد خافيًا، بل تحول إلى أداة ضغطٍ ميداني تُستخدم لابتزاز الحكومة الشرعية، وفرض أمر واقع يُدار من خارج العاصمة المؤقتة، ويستقوي بالسلاح بدل التوافق.
والمقارنة بالسودان ليست مبالغة. ما حدث هناك—حين جرى تمكين مليشيا موازية للدولة—يطلّ اليوم برأسه في اليمن. تجربة قوات الدعم السريع تُستحضر كتحذيرٍ صارخ: تفويض السلاح خارج الدولة يقود حتمًا إلى انفجار شامل، وتدويل للأزمة، وانهيارٍ اجتماعي واقتصادي.
غير أن أبوظبي، وفق مراقبين، لا ترى في اليمن سوى ساحة نفوذ، وممرات بحرية، وأوراق ضغط إقليمية، حتى لو كان الثمن تمزيق بلدٍ أنهكته الحرب.
والمنطق الإماراتي، كما تصفه مصادر سياسية يمنية، يقوم على «كل شيء أو لا شيء». فبدل دعم مؤسسات الدولة وبناء جيشٍ وأمنٍ موحدين، جرى الاستثمار في شبكات مسلحة متناحرة، تُدار بالريموت، وتُستخدم عند الحاجة لتعطيل أي مسار وطني مستقل. النتيجة: تعدد مراكز القوة، وتآكل الثقة بين المكونات، وتراجع الخدمات، وتفاقم معاناة المدنيين.
وعلى الصعيد الإقليمي، يثير هذا السلوك تساؤلات حادة حول ادعاءات «مكافحة الإرهاب» و«الاستقرار». فالتجربة أثبتت أن الفوضى المُدارة لا تُنتج أمنًا، بل تصدّر عدم الاستقرار عبر الحدود، وتغذي اقتصاد السلاح، وتفتح المجال لتدخلاتٍ أوسع. اليمن، بموقعه الجغرافي الحساس، لا يحتمل مغامرات من هذا النوع.
اليوم، تقف الحكومة اليمنية أمام اختبار صعب: إما استعادة القرار الأمني، وفرض احتكار الدولة للسلاح، أو الانزلاق إلى دوامة صراعات داخلية تُعيد إنتاج الحرب بأسماء جديدة. كما أن المجتمع الدولي مطالب بكسر الصمت، ووضع حدٍّ لدعم المليشيات، والضغط باتجاه مسارٍ يحترم سيادة اليمن ووحدته.
ويؤكد مراقبون أن إشعال الجبهات عبر وكلاء مسلحين لن يمنح أبوظبي نفوذًا مستدامًا، بل سيترك ندوبًا عميقة في جسد اليمن، ويقوّض أي فرصة سلام حقيقي. فالدول لا تُبنى بالميليشيات، والاستقرار لا يُفرض بمنطق الصراع الصفري.






