حقوق وحرياتمصر

أزمة الحريات النقابية والفجوة التشريعية في مواجهة حقوق العمال داخل مصر

يتصاعد الجدل الحقوقي والعمالي مع اقرار قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 في ظل وجود عوائق قانونية تمنع الملايين من ممارسة حقهم في التنظيم النقابي الذي كفله الدستور والمعاهدات الدولية.

كشف الباحث حسن البربري عن معضلة هيكلية تواجه سوق العمل المصري تتمثل في التضارب الصارخ بين نصوص قانون العمل والواقع الفعلي الذي يفرضه قانون التنظيمات النقابية رقم 213 لسنة 2017.

أوضح البربري في ورقة سياسات حديثة حملت عنوان عمال بلا تمثيل نقابي أن المنظومة التشريعية الحالية تفتقر للتناغم مما أدى إلى عزل الغالبية العظمى من القوى العاملة عن منصات الدفاع عن حقوقهم المشروعة. تستند هذه الرؤية إلى تحليل دقيق للأرقام الرسمية التي تظهر تراجع عدد الاتفاقيات الجماعية بشكل حاد لا يتناسب مع حجم العمالة في القطاع الخاص والتي تقترب من 30 مليون عامل. تشير الإحصاءات المسجلة لدى وزارة العمل إلى وجود 26 اتفاقية عمل جماعية فقط لم تشمل سوى 24711 عاملا وهو رقم يكشف ضآلة الاستفادة من آليات التفاوض التي نص عليها القانون.

العوائق الإدارية والشرط التعجيزي لتأسيس اللجان النقابية

تفرض التشريعات الحالية قيودا وصفت بالتعجيزية تحرم نحو 9 من كل 10 عمال في مصر من التواجد تحت مظلة نقابية تحميهم من التعسف.

تظهر الدراسة أن 96.4% من المنشآت العاملة في البلاد لا يمكنها قانونا تأسيس لجان نقابية بسبب اشتراط وجود 50 عاملا كحد أدنى للتأسيس. تتوزع هذه الخريطة الاقتصادية بين منشآت متناهية الصغر لا يتجاوز عدد عمالها 10 أفراد وتمثل 79.6% من السوق ومنشآت صغيرة تضم ما بين 10 إلى 49 عاملا وتمثل 16.8% من إجمالي المؤسسات. يستوعب هذا الهيكل المجزأ نحو 88% من إجمالي المشتغلين الذين يجدون أنفسهم بقوة القانون خارج حسابات التمثيل النقابي. يمتد هذا القصور التشريعي ليشمل شروط بناء النقابات العامة التي تتطلب حشد 15 ألف عامل وهو ما يعد مستحيلا في ظل اقتصاد غير رسمي وسوق عمل مفتت يعاني من غياب الاستقرار الوظيفي.

يواجه عمال المنصات الرقمية وسائقو تطبيقات النقل الذكي ومندوبو التوصيل أزمة مضاعفة رغم اعتراف قانون العمل الجديد بوجودهم المهني. تفتقر هذه الفئة التي تضم مئات الآلاف من العاملين إلى غطاء تأميني أو صفة عمالية رسمية في السجلات الحكومية مما يعمق أزمة عمال بلا تمثيل نقابي ويجعلهم عرضة لتقلبات سياسات الشركات دون وسيط تفاوضي. يمنع القانون الحالي هذه الفئات من تدشين لجان نقابية عابرة للمنشآت مما يفرغ نصوص قانون العمل من مضمونها الحقيقي ويحول الحق في المفاوضة الجماعية إلى مجرد حبر على ورق لا يجد سبيله للتنفيذ الفعلي على أرض الواقع.

انتقدت الدراسة التدخلات الإدارية التي صاحبت انتخابات الدورة النقابية لعام 2022 مشيرة إلى محدودية الإشراف القضائي وتوسع الجهات الإدارية في استبعاد المرشحين. رصد الباحث حسن البربري ممارسات أدت لإغلاق باب الترشح مبكرا وحرمان المئات من حقهم في المنافسة الانتخابية بدعوى عدم استيفاء الشروط التنظيمية. تزداد هذه المخاوف مع صدور قرار تحديث بيانات المنظمات النقابية عام 2025 والذي اشترط الحصول على اعتماد جهة العمل لبيانات اللجنة النقابية. يمنح هذا الإجراء أصحاب الأعمال سلطة تقديرية واسعة للتحكم في مصير التنظيم النقابي داخل منشآتهم مما يهدد استقلالية العمل العمالي ويجعله رهينة لموافقة الإدارة.

طالب حسن البربري بضرورة إجراء تعديلات جذرية وشاملة على قانون التنظيمات النقابية قبل انطلاق دورة انتخابات 2026–2030 لضمان العدالة والتمثيل الحقيقي. تشمل هذه المقترحات خفض الحد الأدنى اللازم لتكوين اللجنة النقابية ليكون 15 عاملا فقط بدلا من 50 وإلغاء شرط ال 15 ألف عامل لتأسيس النقابات العامة. شدد الباحث على أهمية تجريم كافة صور التدخل الأمني أو الإداري في الشأن النقابي مع وضع عقوبات رادعة ضد الفصل التعسفي المرتبط بالنشاط المهني. يظل ملف عمال بلا تمثيل نقابي هو الاختبار الحقيقي لمدى جدية الإصلاحات التشريعية في حماية حقوق الشغيلة وتوفير بيئة عمل آمنة ومستقرة تدعم الاقتصاد القومي بعيدا عن تهميش القوى الفاعلة في المجتمع.

أكدت الورقة البحثية في خاتمتها أن أي اعتراف قانوني بالأنماط الجديدة من العمل سيظل منقوصا إذا لم يرافقه تحرر نقابي كامل يتيح للعمال تشكيل أدواتهم الدفاعية بحرية. يعتبر غياب التمثيل الفعلي خطرا يهدد السلم المجتمعي ويضعف من قدرة الدولة على تنظيم سوق العمل بشكل عادل. تبرز الحاجة الملحة الآن لتوحيد الرؤية التشريعية بين القوانين المنظمة للعمل وتلك المنظمة للنقابات لإنهاء حالة العزلة التي يعيشها ملايين العمال وتفعيل دور النقابات كشريك أصيل في التنمية والبناء بعيدا عن القيود البيروقراطية التي كبلت الحركة العمالية لسنوات طويلة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى