أزمة العمالة المؤقتة في شركة قها وتصاعد المطالب بتثبيت الأوضاع الوظيفية المهدرة

تواجه الإدارة المسؤولة عن منظومة العمل ضغوطا متزايدة بخصوص ملف العمالة المؤقتة في شركة قها للمنتجات الغذائية والتي تعاني من تآكل الأمان الوظيفي نتيجة سياسات التشغيل غير المستقرة، حيث كشفت التقارير الحقوقية عن تحول العقود المؤقتة والموسمية من كونها مجرد استثناء تنظيمي عابر إلى نمط تشغيل دائم وممنهج يحرم مئات العاملين من الاستقرار الأساسي، ويقوض هذا النهج المتبع قواعد العدالة الاجتماعية داخل المؤسسات العريقة التي يفترض بها تقديم نموذج يحتذى به في صون حقوق القوى البشرية العاملة لديها وتوفير بيئة عمل لائقة وآمنة للجميع،
تتصدر أزمة العمالة المؤقتة في شركة قها المشهد العمالي في ظل وجود نحو 301 عاملا في منطقة الرأس السوداء بمحافظة الإسكندرية وحدها يطالبون بالتعيين الرسمي الفوري، وتضم هذه القائمة 168 عاملا بعقود مؤقتة إضافة إلى 133 عاملا بنظام الموسمية يعانون جميعا من غياب الدرجات الوظيفية الثابتة رغم استيفاء المدد القانونية، ويستمر هذا الوضع المتأزم في وقت لا يتجاوز فيه عدد العمال الدائمين داخل الشركة حاجز 100 عامل فقط، مما يوضح حجم الخلل في هيكل التوظيف والاعتماد الكلي على فئات تفتقر للحد الأدنى من الضمانات الاجتماعية والحقوقية،
تستمر معاناة هؤلاء الموظفين منذ سنوات طويلة حيث تعود أقدمية بعضهم إلى عام 2006 بينما لا تقل مدة خدمة أحدثهم عن عام 2014 دون أي تحرك جاد، وتستخدم سياسة العقود المؤقتة في شركة قها كغطاء إداري لحرمان الكوادر من الحد الأدنى للأجور ومنعهم من التدرج الوظيفي الطبيعي أو الحصول على الحوافز والبدلات، وتضع هذه الممارسات العمال خارج منظومة الحماية القانونية الفعلية رغم أن طبيعة المهام التي يؤدونها يوميا هي وظائف دائمة وليست عارضة، مما يكشف عن فجوة عميقة بين نصوص القانون والواقع المرير الذي تعيشه الطبقة الكادحة،
قصور التشريعات الجديدة وتكريس أنماط التشغيل الهشة
ينتقد الخبراء والمراقبون قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 الذي جاء مخيبا لآمال الشغيلة ولم يضع حدا جوهريا لإنهاء مأساة العمالة المؤقتة في شركة قها وغيرها، وبدلا من دمج العمال في علاقات عمل مستقرة ساهم القانون في تكريس الأوضاع المهتزة عبر تنظيمها ضمن وكالات تشغيل تزيد من دائرة عدم الأمان الوظيفي، وتظهر التجارب الدولية إمكانية إدارة العقود المؤقتة بضمانات حقيقية، بينما يتم استخدامها محليا كأداة لتقليص التزامات أصحاب العمل وتحميل العامل وحده كلفة المخاطر الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن غياب الاستقرار التعاقدي الموثق،
تتعارض وضعية العمالة المؤقتة في شركة قها بشكل صارخ مع جوهر الضمانات الدستورية التي تقر الحق في عمل لائق وتجرم التمييز في الأجور، ويمثل استمرار التشغيل لسنوات طويلة بعقود هشة تحايلا واضحا على روح التشريعات التي تفترض استقرار العلاقة التعاقدية كأصل عام، ولا يمكن القبول بتحويل هذه العقود إلى آلية دائمة للتهرب من استحقاقات التثبيت والأقدمية والمزايا المقررة للعمال الدائمين، خاصة وأن الشركة تتبع قطاعا يفترض فيه الالتزام الصارم بمعايير العمل الدولية والاتفاقيات التي تضمن عدم استغلال هشاشة أوضاع العاملين لفرض شروط مجحفة،
تتحمل الشركة القابضة للصناعات الغذائية والجهات الحكومية التابعة لها مسؤولية مضاعفة في تصحيح هذا المسار المعوج وضمان تطبيق القانون بعدالة ومساواة كاملة، ولم يعد مطلب تثبيت العمالة المؤقتة في شركة قها مجرد رغبة فئوية بل صار استحقاقا قانونيا واجبا النفاذ يفرض على الإدارة وقفا فوريا لسياسات الإقصاء الوظيفي، وتترقب الأوساط العمالية نتائج الاجتماعات المرتقبة مع رئاسة مجلس الإدارة لتقييم مدى الجدية في الاستجابة للمطالب المشروعة، ووضع جدول زمني معلن لتقنين أوضاع مئات الأسر التي تعتمد في عيشها على هذه المؤسسة الاقتصادية الكبيرة،
تتضمن المطالب العمالية ضرورة صرف كافة المستحقات المالية المتأخرة وضمان التمتع بالخدمات الاجتماعية والتأمين الصحي الشامل لكل من استوفى المدة القانونية، ويجب وقف الاعتماد الممتد على الأنماط غير المستقرة في الوظائف ذات الطبيعة الإنتاجية الدائمة لضمان جودة المنتج واستقرار المؤسسة، كما تبرز الحاجة الملحة لتدخل وزارة التموين لممارسة دورها الرقابي الفعال لمنع تكرار هذه الأزمات في قطاعات أخرى مثل السكر والغزل والنسيج والمقاولات، حيث يمثل الأمان الوظيفي الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة وحماية السلم المجتمعي من تداعيات الشعور بالظلم والاضطهاد المهني،







