تحرك السلطات الإيرانية لتوسيع دائرة الملاحقات الأمنية ضد الناشطة نوفين زارعي وكوكب باداغي

تتصدر الواجهة الحقوقية حاليا تطورات مثيرة للقلق بشأن ظروف الناشطة نوفين زارعي وكوكب باداغي اللتين تواجهان إجراءات أمنية مشددة في ظل موجة تضييق واسعة النطاق تستهدف العمل المدني، وتكشف التقارير الواردة عن توغل أجهزة الأمن في ملاحقة الشخصيات النسائية الفاعلة وسط غياب تام للشفافية القضائية أو الالتزام بالمعايير القانونية الدولية، حيث تزايدت وتيرة المداهمات التي تطال المنازل دون سابق إنذار مما يعكس نهجا تصعيديا يرمي إلى تحجيم النشاط الحقوقي والنقابي داخل المجتمع بشكل لافت وممنهج، وفقا لما تم رصده من وقائع ميدانية أخيرة شملت اقتحامات واعتقالات تعسفية طالت أسماء بارزة في أوساط المدافعين عن الحقوق العامة والحريات الشخصية في البلاد.
تؤكد المعطيات الراهنة أن قوات تابعة لوزارة المخابرات شنت حملة مداهمة مفاجئة أسفرت عن اعتقال الناشطة الكردية نوفين زارعي المتخصصة في ملف حقوق المرأة دون تقديم أي سند قانوني أو مذكرة قضائية تبرر هذا الإجراء، وقام ضباط الأمن خلال العملية بمصادرة الهاتف المحمول الخاص بالناشطة “نوفين زارعي” قبل اقتيادها إلى جهة غير معلومة وسط تكتم رسمي شديد حول أسباب هذا الاحتجاز، وتثير هذه الواقعة تساؤلات جوهرية حول مدى التزام السلطات بسلامة المعتقلين السياسيين والحقوقيين لاسيما مع استمرار حجب المعلومات عن ذوي المختطفين، ويمثل استهداف الناشطة “نوفين زارعي” حلقة جديدة في سلسلة الانتهاكات التي تطال المكونات الثقافية والنشطاء في المناطق التي تشهد توترات حقوقية مستمرة نتيجة السياسات المركزية المتشددة.
انتهاكات أمنية ومصادرة الممتلكات الشخصية للنشطاء
يواجه العمل النقابي في إيران تحديات جسيمة برزت بوضوح في واقعة اختفاء الناشطة كوكب باداغي عقب استدعائها من قبل جهاز المخابرات التابع للحرس الثوري لمتابعة ملفها وتوضيح طبيعة أنشطتها، وداهم أفراد ملثمون ينتمون لذات الجهاز الأمني منزل عائلة كوكب باداغي وقاموا بعمليات تفتيش دقيقة انتهت بمصادرة حاسوب آلي وهاتف محمول وبطاقة الهوية ووثائق شخصية أخرى دون إبراز أية وثائق رسمية تبيح ذلك، ويشير عدم عودة الناشطة “كوكب باداغي” إلى منزلها منذ مراجعتها للإدارة الأمنية في تمام الساعة الثامنة صباحا إلى احتمالية تعرضها للاختفاء القسري، وتزداد المخاوف من توظيف أجهزة المخابرات لسياسة الترهيب عبر ملاحقة الأمهات اللواتي يمارسن أدوارا نقابية فاعلة في المجتمع.
يعاني الوسط الحقوقي من ضغوط غير مسبوقة تظهر في غياب التهم الرسمية الموجهة للناشطة نوفين زارعي والغموض الذي يلف مصير كوكب باداغي رغم مرور فترة على انقطاع التواصل معهما، وتسببت هذه الإجراءات القمعية في أزمات إنسانية بالغة التعقيد لاسيما وأن كوكب باداغي أم لطفل صغير يعاني من صدمات نفسية حادة جراء مشاهدات عمليات الاقتحام المتكررة للمنزل من قبل القوات الأمنية، وبذلت عائلة الناشطة جهودا قانونية عبر تقديم بلاغات رسمية للسلطات القضائية للإبلاغ عن واقعة الاختفاء المفاجئ لكن دون جدوى حقيقية حتى اللحظة، وتستمر الأجهزة الأمنية في فرض قبضتها الحديدية على كافة مفاصل الحياة المدنية مما يجعل من ممارسة أي دور إصلاحي مغامرة محفوفة بالمخاطر الأمنية الكبيرة.
غياب الضمانات القانونية في ملاحقة الناشطات
تتجاهل الإجراءات الأمنية المتبعة مع الناشطة نوفين زارعي وكذا كوكب باداغي أبسط القواعد التي تنص على ضرورة وجود رقابة قضائية مستقلة على عمليات الاعتقال والتفتيش المنزلي، وتكشف الطريقة التي تم بها التعامل مع “نوفين زارعي” عن رغبة في تغييب الأصوات المطالبة بحقوق المكونات المختلفة داخل الدولة الإيرانية عبر استخدام تكتيكات المباغتة والمصادرة غير القانونية، ويتضح من خلال متابعة ملف “كوكب باداغي” أن الاستدعاءات الأمنية المتكررة غرضها الأساسي هو ممارسة ضغط نفسي وجسدي لثني النشطاء عن مواصلة الدفاع عن حقوقهم النقابية والعمالية، ويمثل هذا المشهد القاتم دليلا إضافيا على تراجع سقف الحريات وتغول الأجهزة الاستخباراتية على حساب المؤسسات المدنية التي يفترض بها حماية المواطنين وضمان سلامتهم.
يستوجب الوضع الراهن تسليط الضوء على المسؤولية القانونية التي تقع على عاتق جهاز المخابرات التابع للحرس الثوري ووزارة المخابرات في توفير الحماية الجسدية لكل من نوفين زارعي وكوكب باداغي، وتعتبر مصادرة الهواتف والوثائق الشخصية دون أمر قضائي انتهاكا صارخا للخصوصية يهدف إلى جمع معلومات غير قانونية لابتزاز النشطاء أو بناء تهم مفبركة ضدهم في المستقبل، وتؤكد الوقائع أن الناشطة “كوكب باداغي” خضعت لجلسات تحقيق سابقة بشأن دورها النقابي مما يعزز فرضية أن احتجازها الأخير هو عقاب مباشر على إصرارها على ممارسة حقها في التعبير والتنظيم، وتظل قضية “نوفين زارعي” نموذجا صارخا لكيفية إدارة الملفات الحقوقية عبر البوابة الأمنية الصرفة بعيدا عن منصات العدالة التي تفتقر للاستقلالية المطلوبة في مثل هذه القضايا الحساسة.
تستمر التقارير في رصد تداعيات اعتقال نوفين زارعي واختفاء كوكب باداغي بوصفهما مؤشرا على مرحلة جديدة من المواجهة بين المجتمع المدني والمنظومة الأمنية التي لا تقبل التعددية، وتضع هذه الانتهاكات المتتالية الدولة في مواجهة مباشرة مع الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وحماية المدافعين عن الحريات الأساسية للمواطنين، ويتطلب الكشف عن مكان تواجد الناشطة “كوكب باداغي” تحركا قانونيا عاجلا لإنهاء حالة الغموض التي تثير رعب عائلتها وطفلها الصغير الذي بات ضحية لسياسات الترويع الأمنية، كما يظل المطلب الأساسي هو الإفراج الفوري عن “نوفين زارعي” وكافة المعتقلين الذين تم احتجازهم دون سندات قانونية واضحة أو محاكمات عادلة تضمن لهم حق الدفاع عن أنفسهم أمام اتهامات غالبا ما تكون ذات صبغة سياسية بحتة.







