أزمة سائق النقل العام وتصاعد فجوة الدعم في الموازنة العامة المصرية

تتصاعد أزمة العاملين في قطاع المواصلات نتيجة السياسات المالية التي تتبعها الدولة لتقليص الإنفاق العام، حيث يجد سائق النقل العام نفسه في مواجهة مباشرة مع أعباء اقتصادية تفوق طاقته، ويتحول المرفق الخدمي من مؤسسة تهدف لخدمة المواطن إلى كيان يبحث عن الربحية، وتفرض المنظومة الحالية ضغوطا كبيرة على أجور العمال لتعويض العجز الناتج عن تقديم خدمات مجانية أو مخفضة للفئات المستحقة، مما يضع مفهوم الحماية الاجتماعية في مأزق حقيقي،
يضخ سائق النقل العام مبلغا يصل في المتوسط إلى 38 ألف جنيه شهريا في خزينة الوزارة
تظهر الأرقام الرسمية حجم الفجوة الكبيرة بين ما يحققه العامل من إيرادات وما يتحصله من أجر فعلي في نهاية المطاف، فبينما يضخ سائق النقل العام مبلغا يصل في المتوسط إلى 38 ألف جنيه شهريا في خزينة الوزارة، تفاجئه جهة العمل بخصم يصل إلى 8 آلاف جنيه من مستحقاته، وتبرر الإدارة هذا الإجراء بأنه كلفة تشغيلية لتغطية فارق أسعار التذاكر الممنوحة لكبار السن وأصحاب المعاشات، وهو ما يعكس تحولا في فلسفة الإدارة الحكومية تجاه ملف الدعم،
تجسد هذه الممارسة سياسة اقتصادية تعتمد على نقل الأعباء من الموازنة العامة إلى جيوب الفئات الكادحة بشكل مباشر، وبدلا من أن تلتزم الدولة بتمويل الامتيازات الاجتماعية التي تقررها للقواعد الشعبية من الموارد السيادية، تترك السائقين يواجهون تبعات هذه القرارات من خلال اقتطاعات قسرية، ويعد هذا التوجه بمثابة خصخصة غير معلنة للمسؤولية الاجتماعية، حيث يدفع العامل المنتج ثمن العدالة التي تنادي بها الشعارات الرسمية دون أن يتحمل النظام الضريبي عبء ذلك،
تشير بيانات موازنة العام المالي 2023/24 إلى تخصيص نحو 8.1 مليار جنيه لمبادرات النقل والتنقل داخل البلاد، وبالرغم من ضخامة هذا الرقم المعلن إلا أن الواقع الميداني يكشف عن غياب أثره على مستوى معيشة الكادر العمالي، وتكشف المقارنة المالية عن مفارقة حادة تتمثل في زيادة مخصصات خدمة الدين العام بنسبة تجاوزت 30%، مما يشير إلى أن أولوية الإنفاق تذهب لسداد الالتزامات الدولية وليس لتحسين جودة المرفق العام أو حماية حقوق العاملين به،
تتبنى الحكومة نهجا يتماشى مع اشتراطات المؤسسات الدولية منذ توقيع اتفاق تسهيل الصندوق الممدد في ديسمبر 2022، حيث تضمنت التعهدات الرسمية رفع أسعار الخدمات العامة لتصل إلى تكلفتها الحقيقية وتقليص الدعم تدريجيا، ويؤدي هذا المسار إلى تحويل المرفق العام إلى مشروع تجاري يلتهم حقوق منتجيه، فالسائق الذي لا يملك سلطة تحديد التسعيرة أو التحكم في أسعار الوقود، يجد نفسه محاسبا على الأرباح والخسائر كأنه مستثمر في قطاع خاص،
تؤدي هذه الضغوط المتزايدة إلى خلق حالة من الاحتقان داخل صفوف العاملين في مرافق النقل العام المختلفة، فالأزمة ليست مجرد خلاف على أرقام بل هي تعبير عن خلل بنيوي في توزيع الثروات والأعباء، وتعتمد الدولة نظاما يمكن وصفه بإعادة التوزيع بالمقلوب، حيث يقوم الفقراء بتمويل الخدمات المخصصة لفقراء آخرين، بينما تظل الفئات الأكثر ثراء والشركات الكبرى بعيدة عن المساهمة العادلة، بسبب غياب نظام ضريبي تصاعدي يربط الأرباح بالمسؤولية المجتمعية،
تتطلب معالجة هذا الملف الشائك إعادة النظر في تعريف الخدمة العامة كحق أصيل للمواطن وليس كسلعة تخضع للمساومة، ويجب أن يكون تمويل دعم التنقل من خلال صناديق مستقلة تعتمد على ضرائب السيارات الخاصة والأنشطة الريعية، بدلا من اقتطاعها من أجور السائقين الذين يمثلون الحلقة الأضعف، إن استمرار تحميل العمال كلفة التوازن المالي يهدد استقرار المرفق، ويحول العدالة الاجتماعية من مكتسب إنساني إلى عبء ثقيل يدفعه من لا يملك لصالح من لا يجد،








