غياب العدالة المناخية في مواجهة الكوارث الطبيعية وأنظمة الإنذار المبكر في مصر

تتصاعد المخاوف المجتمعية من اتساع الفجوة التقنية والمعلوماتية في منظومات الحماية من الكوارث داخل البلاد، حيث تكشف الوقائع الميدانية عن أزمة حقيقية تتعلق بمدى توفر غطاء آمن للمواطنين في المناطق الأكثر احتياجا وتهميشا، فرغم وجود بنية تحتية تقنية لدى جهات رسمية عديدة إلا أن الوصول لتلك المعلومات يظل حكرا على فئات محددة دون غيرها، وهو ما يضع مفهوم العدالة المناخية تحت مجهر الانتقاد في ظل تكرار الظواهر الجوية المتطرفة والهزات الأرضية التي تضرب مناطق مختلفة، حيث يواجه سكان القرى والنجوع والنازحون إلى المناطق العشوائية تحديات جسيمة تهدد حياتهم وممتلكاتهم بسبب غياب التنبيهات الاستباقية الفعالة، ويبدو أن الاستثمارات الحكومية الموجهة لتطوير أنظمة الرصد لم تنجح حتى الآن في مد جسور الثقة مع القاطنين في عمق الأقاليم المصرية.
غياب الربط المعلوماتي وتحديات الرصد الزلزالي والمناخي
تتوزع مسؤوليات مراقبة المخاطر بين جهات متعددة تفتقد للتنسيق الموحد الذي يضمن وصول الرسالة التحذيرية للفرد البسيط قبل وقوع الكارثة، فبينما يختص المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية المعروف بمرصد حلوان بمراقبة النشاط الزلزالي عبر 85 محطة عاملة، يظل نطاق الإنذار محصورا في دوائر فنية ضيقة تخدم مرافق الدولة الحساسة مثل المصانع والقطارات عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، وفي المقابل تتوزع مهام مراقبة السيول بين هيئة الأرصاد الجوية ووزارات الري والتنمية المحلية، بينما ينفرد مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة بإصدار نشرات تخص المحاصيل، لكن هذه المنظومات تعاني من ضعف الربط مع الوحدات المحلية والقرى النائية، مما يجعل المعلومة تصل متأخرة أو لا تصل على الإطلاق لصغار المزارعين الذين يمثلون الفئة الأكثر تضررا من تقلبات المناخ.
مزارعون في مواجهة الموت والدمار بلا جرس إنذار
تتجسد مأساة غياب المعلومة في شهادة خلف عزيز وهو مزارع من قرية صفط اللبن بمحافظة المنيا، حيث يؤكد عدم تلقيه أي تحذيرات رسمية طوال 30 عاما من العمل في الأرض، مشيرا إلى أن غياب المدارس الحقلية والندوات التعريفية ضاعف من خسائره المادية التي بلغت في إحدى العواصف 25 ألف جنيه نتيجة تدمير محصول القمح، كما استرجع ذكريات مريرة مع إصابة محاصيل الفول والبطاطس والكمون بآفات ناتجة عن تغيرات جوية مفاجئة كلفته في عام واحد 50 ألف جنيه، ويتفق معه في ذات المعاناة المهندس الزراعي عصام عودة الذي فقد محاصيل 3 فدادين ونصف في عاصفة عام 2017، حيث قدرت خسائره بنحو 80 ألف جنيه وسط غياب تام للمرشدين الزراعيين، مما دفعه للاعتماد الكلي على نشرات التلفاز العامة التي لا توفر حلولا تقنية متخصصة لمواجهة الكوارث.
تستهدف وزارة الزراعة عبر مركز معلومات تغير المناخ توسيع دقة الإنذار التي تتراوح بين 75 إلى 85 بالمئة لتشمل كافة المحافظات بحلول عام 2027، ويوضح الدكتور محمد فهيم رئيس المركز أن المنظومة تعتمد على بيانات الأقمار الصناعية “Sentinel” و”MODIS” ونماذج عالمية مثل “ECMWF” و”NOAA”، ورغم حديثه عن رصد انخفاض في الخسائر بنسبة 22 بالمئة ببعض قرى البحيرة، إلا أن الواقع يشير إلى عوائق تقنية وتمويلية تعطل وصول الرسائل النصية والتحذيرات الرقمية لسكان المناطق الحدودية، مثلما حدث في سيول عام 2023 بمحافظة مرسى مطروح، حيث يؤكد المواطن جارح القطعاني أن غياب صفارات الإنذار التي كانت تعمل قديما تسبب في كوارث مادية جسيمة، مطالبا بضرورة إدراج مادة تعليمية بالمدارس لتدريب الأجيال القادمة على آليات التعامل مع الأزمات المفاجئة.
تبذل الإدارات المحلية جهودا لمحاصرة الأزمات عبر غرف عمليات مرتبطة بوزارات الشباب والرياضة والتضامن الاجتماعي، حيث تشير وسام أحمد فيالة وهي سكرتير وحدة محلية إلى أنهم يتلقون إخطارات قبل النوات بمدة تتراوح بين 48 ساعة وأسبوع، مما يسمح بتطهير شبكات الصرف وتجهيز محطات المياه، ومع ذلك تظل الكوارث المفاجئة مثل الإعصار الذي ضرب دمياط عام 2023 تمثل اختبارا صعبا للبنية التحتية، ومن جانبه يشدد الدكتور عباس شراقي أستاذ الجيولوجيا بجامعة القاهرة على ضرورة تطهير مخرات السيول في مدن البحر الأحمر والصعيد مثل رأس غارب وقنا وأسيوط، مؤكدا أن التنبؤ بالسيول يظل معقدا للغاية ويحتاج لوحدة مركزية مجهزة بطائرات ومعدات ثقيلة، مع ضرورة الالتزام بكود البناء الزلزالي لتفادي تكرار مآسي الماضي في ظل نشاط زلزالي محدود بمناطق دهشور وأبو زعبل والساحل الشمالي.







