مافيا السموم الزراعية تهدد حياة العراقيين في ظل غياب الرقابة الحكومية العراقية

تتصاعد التحذيرات من كارثة صحية تلوح في الأفق نتيجة تفشي ظاهرة المبيدات الزراعية المهربة والمحظورة التي تغرق الأسواق المحلية دون وازع من ضمير أو خوف من قانون.
حيث تسببت هذه المواد السامة في إصابة أعداد هائلة من المشتغلين في قطاع الفلاحة بأمراض مستعصية يأتي في مقدمتها السرطان، وتعد قضية المبيدات الزراعية الملف الأكثر خطورة وتأثيرا على الأمن الغذائي والصحي في نينوى والبصرة ودهوك حاليا.
فبينما تحاول العائلات الكادحة تأمين لقمة العيش من عرق جبينها تصطدم بجدار من الفساد الذي يسمح بدخول سموم كيميائية عبر الحدود لتستقر في أجساد النساء والرجال والأطفال دون رحمة، ولعل غياب التوعية الرسمية وضعف الرقابة على المنافذ الحدودية جعلا من المزارع العراقي البسيط فريسة سهلة لتجار الأزمات الذين يروجون لمواد قاتلة تحت مسميات تجارية خادعة وأسعار زهيدة تجذب الفئات الاقتصادية الأكثر احتياجا وتدفعهم نحو هاوية المرض والموت الصامت.
صفقات الموت وانهيار الرقابة على الحدود والمنافذ
يكشف واقع الحال عن وجود ثغرات قانونية وتداخل في الصلاحيات بين الجهات المعنية مكنت مافيا التهريب من إدخال 80 طنا من المبيدات غير المرخصة في شحنة واحدة أحيانا، حيث تؤكد المعلومات والبيانات الميدانية أن نسبة استخدام المبيدات الزراعية الحشرية والمستوردة بلغت 91.5% بين المزارعين وهي نسبة مرعبة تعكس حجم الاختراق الذي يعاني منه قطاع الزراعة، وما يزيد من تعقيد المشهد هو لجوء بعض المكاتب التجارية إلى تزوير ملصقات العبوات المنتهية الصلاحية واستبدالها بملصقات جديدة لتجنب الخسائر المادية وضمان استمرار تدفق الأرباح الحرام، وتستخدم هذه الجهات نفوذها لتمرير شحنات تضم مبيدات محظورة مثل مبيد الفايديت ومادة أوكساميل التي تسبب العقم والتشوهات الخلقية، وتصل هذه السموم إلى المزارع البسيط الذي يجهل مخاطرها في ظل غياب كامل للمهندس الزراعي والدعم الحكومي الحقيقي الذي كان يجب أن يوفر البدائل الآمنة والتدريب اللازم لحماية المنتجين والمستهلكين على حد سواء.
التكلفة البشرية الباهظة والضحايا المنسيون في القرى
تجسد معاناة المواطنين في تلعفر وفي البصرة الوجه القبيح لهذا الانفلات الرقابي حيث دفعن ثمن التعامل المباشر مع المبيدات الزراعية من صحتهن بإصابات مؤكدة بسرطان الثدي والرحم، وتظهر الإحصائيات الرسمية لعام 2023 أن النساء يشكلن 58% من حالات الإصابة بالسرطان في نينوى وهي أرقام تعكس مدى الارتباط الوثيق بين التعرض لهذه المواد والفتك بأجساد المزارعات الكادحات.
وتستمر المأساة مع تسجيل حالات إجهاض متكررة ووفاة مواليد كما حدث مع أم وسام التي فقدت طفلها الأول وتعرضت لانسداد في الشرايين وأجرت 4 عمليات قسطرة قلبية نتيجة سنوات من العمل في بيئة ملوثة بالسموم، وتؤكد التقارير العلمية أن متبقيات هذه المواد تتراكم في السلسلة الغذائية وتنتقل عبر التربة والمياه لتصل إلى الإنسان والحيوان مما يجعل خطر المبيدات الزراعية لا يقتصر على الحقل فحسب بل يمتد ليشمل مستقبل الأجيال القادمة التي تعاني من انخفاض معدلات الذكاء والتشوهات نتيجة سموم دخلت البلاد أمام أنظار الجميع.







