أخبار العالمملفات وتقارير

أزمات الشرق الأوسط المشتعلة وتصاعد حدة المأزق السياسي بين إيران وأمريكا وتحديات الهيمنة

تتصدر مشهد الأحداث العالمية الراهنة ملامح المأزق السياسي بين إيران وأمريكا وسط تعقيدات جيوسياسية بالغة الخطورة تهدد بانفجار الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، حيث تجد الإدارة الأمريكية والنظام الحاكم في طهران نفسيهما أمام خيارات صفرية تتراوح بين الانخراط في مواجهة عسكرية شاملة أو القبول بصفقات سياسية مريرة، ويسعى كل طرف لتحقيق مكاسب استراتيجية تنهي حالة العسكرتارية المسيطرة على المشهد، بينما تلوح في الأفق عواصف نارية قد تعيد تشكيل خارطة القوى الدولية وتنهي حالة الاستقرار الهش في الإقليم، فالمعطيات الحالية تشير إلى أن المقامرة السياسية باتت هي المحرك الأساسي لصناع القرار في واشنطن وطهران على حد سواء، مما يجعل المنطقة فوق فوهة بركان.

تراهن القيادة في طهران على حسابات معقدة مفادها أن واشنطن لن تجرؤ على شن هجوم عسكري مباشر رغم الضغوط المتزايدة، وتستند هذه الرؤية إلى عدم حصول الرئيس دونالد ترامب على تفويض من الكونغرس لشن حروب خارجية جديدة، بالإضافة إلى رغبته في الحفاظ على تماسك حركة ماغا التي تمثل قاعدته الانتخابية الصلبة، كما تضع طهران في اعتبارها مخاوف دول الجوار من تداعيات سقوط النظام وتفجر رياح الفوضى، وفي المقابل تعتمد الاستراتيجية الأمريكية على الاستعراض العسكري المكثف والرهان على هشاشة الأوضاع الاقتصادية والسياسية داخل إيران، لدفعه نحو تقديم تنازلات جوهرية ترضي طموحات الإدارة الحالية وتضمن بقاء النظام تحت مظلة الشروط الأمريكية القاسية والمجحفة.

الصراع على قيادة النظام الدولي وتحجيم النفوذ الصيني

تعتبر عقيدة أمريكا أولا المحرك الرئيسي للحشود العسكرية في المنطقة، حيث تهدف واشنطن إلى قطع الطريق أمام التمدد الاقتصادي الصيني المتصاعد في الشرق الأوسط، وتمثل إيران حجر الزاوية في مشروع الحزام والطريق الصيني، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية لمحاولة طرح بدائل مثل ممر الهند الشرق الأوسط أوروبا، ولا تقتصر المواجهة على الجانب العسكري بل تمتد لتشمل صراع الهيمنة على النظام الدولي المتعدد الأقطاب، حيث تسعى الولايات المتحدة لتحجيم نفوذ بكين في مناطق استراتيجية بدءا من فنزويلا وصولا إلى البرازيل ودول بريكس، وذلك لحماية تفوق الدولار الأمريكي الذي يعتبر الركيزة الأساسية للقوة والنفوذ السياسي والاقتصادي لواشنطن في مواجهة القوى الصاعدة عالميا.

تآكل شرعية النظام الإيراني ونهاية شعار تصديق الثورة

تشير التقارير الواردة من داخل أروقة الحكم في طهران إلى وجود توجه جاد لسحب شعار تصدير الثورة بعد أن أصبح عبئا ثقيلا، وقد أجمع وزراء خارجية سابقون في لقاءات تشاورية على عدم جدوى هذا النهج الذي ألحق ضررا بالغا بمكانة البلاد الدولية، خاصة بعد الإخفاقات الكبيرة في سوريا وخسارة استثمارات تجاوزت 60 مليار دولار عقب سقوط نظام بشار الأسد، وتتزامن هذه الإخفاقات الخارجية مع أزمات داخلية خانقة تمثلت في انهيار العملة المحلية واندلاع احتجاجات شعبية عارمة هي الأضخم منذ عقود، حيث سقط خلالها أكثر من 3000 قتيل وفقا للأرقام الرسمية، مما جعل السلطة عاجزة عن تقديم أي تنازلات اقتصادية حقيقية للمواطنين المكتوين بنيران التضخم والفقر.

يعيش النظام السياسي حالة من التفكك الداخلي في ظل عجزه عن الاندماج في المنظومة الرأسمالية العالمية بشكل طبيعي، مما يجعله يلجأ إلى سياسات القمع الممنهج لخنق الحركات المطلبية والاحتجاجات التي تحاول انتزاع حقوق مادية مفقودة، ولا تمتلك الخزانة الإيرانية حاليا سوى الحد الأدنى لتغطية رواتب الأجهزة الأمنية المكلفة بحماية السلطة من الانهيار الوشيك، ويرى البعض أن النظام قد يجد في اندلاع حرب محدودة مخرجا لتبرير قمع المعارضين في الداخل وتسجيل انتصارات وهمية تمنحه شرعية مؤقتة، وفي الوقت ذاته تحمي ما تبقى من أذرع ووكلاء في الخارج باعتبارهم مخزونا استراتيجيا للمواجهة، لكن هذه الحسابات قد تصطدم بواقع عسكري مرير يفوق قدرة طهران على الاحتمال والمناورة السياسية.

تواجه الولايات المتحدة الأمريكية مأزقا اقتصاديا كبيرا يتمثل في مديونية ضخمة قاربت 38 تريليون دولار، مما يدفع إدارة ترامب نحو تبني استراتيجية السلام بالقوة التي تتطلب رفع سقف الموازنة العسكرية، ومن المتوقع أن تقفز ميزانية الدفاع من 891 مليار دولار في عام 2025 لتصل إلى تريليون ونصف تريليون دولار في عام 2026، ويعكس هذا التوجه رغبة واشنطن في حماية نفوذها العالمي عبر القدرة العسكرية بعد تراجع تنافسيتها الاقتصادية أمام التنين الصيني، ورغم محاولات الترويج بأن ترامب رجل صفقات إلا أن الواقع يشير إلى ممارسة سياسة الهروب إلى الأمام عبر افتعال مواجهات خارجية للتغطية على الأزمات الداخلية المتفاقمة والاحتجاجات الواسعة ضد سياسات الهجرة والتضخم المرتفع.

تزداد الضغوط السياسية على الحزب الجمهوري بعد خسارته لولايات تاريخية مثل تكساس لصالح الحزب الديمقراطي، مما يعكس تراجع شعبية السياسات الحالية لدى الطبقة العاملة والشرائح ذات الدخل المحدود، وفي ظل هذه المعطيات تبرز إسرائيل كطرف مستفيد من تصعيد المأزق السياسي بين إيران وأمريكا، حيث تسعى جاهدة لإسقاط النظام في طهران وترى في الإدارة الجمهورية الحالية فرصة ذهبية للانقضاض عليه، وتنتقد أصوات في الكونغرس مثل ليندسي غراهام مواقف بعض الدول الإقليمية الرافضة للحرب، واصفا النظام الإيراني بأنه بربري يقتل شعبه، مما يعزز من احتمالات هبوب عاصفة نارية قد تكون المرحلة الأكثر دموية في تاريخ المنطقة منذ غزو العراق وظهور تنظيم داعش الإرهابي.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى