الضرائب الجديدة على الهواتف المحمولة وتعديلات قانون العقارات تثير جدلا واسعا

يتحرك المشهد الاقتصادي المصري نحو تعقيدات جديدة تثير تساؤلات جوهرية حول السياسات المالية المتبعة، حيث تبرز قضية الضرائب الجديدة على الهواتف المحمولة كأداة تحليلية لفهم توجهات الدولة في تعظيم مواردها السيادية، وتأتي هذه التحركات وسط أجواء سياسية مشحونة تتزامن مع الذكرى الخامسة عشرة لأحداث يناير، مما يضع الحكومة أمام تحديات مزدوجة تتعلق بالعدالة الاجتماعية وكفاءة التحصيل الضريبي في ظل بنية اقتصادية تعاني من اختلالات هيكلية واضحة، ويظهر التباين في الرؤى بين صانعي القرار والخبراء حول جدوى هذه الإجراءات ومدى تأثيرها على القوة الشرائية للمواطنين واستقرار الاستثمارات، خاصة مع استمرار الجدل حول تعريفات الحقوق الدستورية المتعلقة بالمسكن الخاص والملكية الشخصية والالتزامات المالية تجاه الدولة.
تتصدر قضية الضرائب الجديدة على الهواتف المحمولة قائمة الاهتمامات الشعبية والاقتصادية بعد إنهاء العمل بالإعفاء الاستثنائي للأجهزة القادمة مع المسافرين، حيث بلغت نسبة الرسوم المفروضة نحو 38.5% من قيمة الجهاز، وهو إجراء بررته الجهات الرسمية بمحاولة حوكمة الاستيراد ودعم التصنيع المحلي الذي يضم 15 شركة عالمية بطاقة إنتاجية تصل إلى 20 مليون جهاز سنويا، وتزامن هذا القرار مع موافقة مجلس الشيوخ على تعديلات قانون الضريبة العقارية التي رفعت حد الإعفاء للسكن الخاص من 50 ألفا إلى 100 ألف جنيه في القيمة الإيجارية السنوية، مما يعادل ما بين 1000 إلى 2000 دولار أمريكي، ليشمل العقارات سواء كانت مشغولة أو غير مشغولة، الأمر الذي أحدث موجة من التحليلات حول مدى توافق هذه الأعباء مع الوعود الحكومية السابقة بتحسين جودة الحياة وثبات الأسعار بحلول عام 2026.
تؤكد البيانات الاقتصادية وجود انحراف هيكلي في النظام الضريبي المصري حيث تعتمد الدولة بشكل مفرط على ضرائب الاستهلاك، وتكشف الأرقام أن ضرائب الاستهلاك، وفي مقدمتها ضريبة القيمة المضافة، تشكل 42% من إجمالي الحصيلة الضريبية بما يعادل تريليون و100 مليار جنيه مصري، أي نحو 31.9 مليار دولار، بينما لا تمثل الضريبة العقارية سوى 0.7% فقط من الإجمالي بحصيلة لا تتجاوز 18 مليار جنيه سنويا، ما يعادل 521 مليون دولار، ويرى مراقبون أن زيادة الحصيلة العقارية بنسبة 15% لتصل إلى نحو 3 مليار جنيه إضافية هو رقم هزيل لا يبرر حالة الاحتقان، خاصة في ظل انخفاض نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي التي لم تتجاوز 12.2% في العام المالي 2024/2025، وهي نسبة متواضعة مقارنة بالمتوسطات الأفريقية البالغة 16% أو دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تصل إلى 30%.
اختلالات هيكلية وتحديات تواجه العدالة الضريبية في السياسات المالية الراهنة
يواجه التوجه نحو فرض الضرائب الجديدة على الهواتف المحمولة انتقادات تتعلق بمدى فاعليته في ظل وجود كتلة ضخمة من الناتج المحلي خارج المظلة الضريبية بسبب نشاط الدولة المباشر في الاقتصاد، وتشير التقارير إلى أن تحويلات المصريين في الخارج سجلت زيادة تاريخية بلغت 37.5 مليار دولار خلال الأحد عشر شهرا الأولى من عام 2025، مقابل 26.3 مليار دولار في الفترة ذاتها من العام السابق، مما يجعل أي رسوم إضافية على هذه الفئة مخاطرة قد تؤدي لعودة السوق السوداء للعملة، وتستهدف الدولة جمع حصيلة تتراوح بين 200 إلى 300 مليون دولار من رسوم الهواتف، وهو مبلغ يراه خبراء ضئيلا جدا مقارنة بحجم التحويلات السنوية التي تضخ في شرايين الاقتصاد، محذرين من تكرار سيناريو عام 2023 حين تراجعت التحويلات من 33 مليار دولار إلى 16 مليار دولار نتيجة السياسات المالية.
ينص الدستور المصري في مادته رقم 38 على ضرورة إقامة نظام ضريبي عادل وتصاعدي لا يمس بالقدرة التكليفية للمواطنين، إلا أن الواقع يشير إلى أن ضرائب الاستهلاك تجاوزت الحدود العالمية الآمنة المقدرة ب 25% لتصل في مصر إلى 42%، مما ينقل العبء المالي مباشرة إلى المستهلك النهائي ويزيد من معدلات التضخم التي أثرت على ثلث الشعب المصري الذي يعيش تحت خط الفقر بنسبة تتراوح بين 29% و30%، وتظهر التناقضات في تبرير حماية الصناعة الوطنية بفرض رسوم على الهواتف، حيث تباع الأجهزة المصنعة محليا بأسعار تفوق مثيلاتها في الخارج، مما يطرح تساؤلات حول كفاءة هذه السياسات في خفض التكاليف على المواطن، خاصة مع نمو الإيرادات الضريبية بنسبة 32% لتصل إلى 1.204 تريليون جنيه، ما يعادل 35 مليار دولار، خلال النصف الأول من العام المالي الجاري 2025/2026.
تتقاطع هذه التحولات الاقتصادية مع نقاشات سياسية حادة بمناسبة ذكرى ثورة يناير، حيث تبرز أصوات داخل المجالس النيابية تعيد تقييم أحداث 2011 بين من يراها سببا في الفوضى وبين من يتمسك بمطالبها في العدالة الاجتماعية وتداول السلطة، ويشير وكيل نقابة الصحفيين محمد سعد عبد الحفيظ إلى أن أهداف الثورة لا تزال معلقة في ظل اتساع الفجوة بين نمو ثروات المستثمرين وزيادة معدلات الفقر، بينما يرى آخرون أن تسليط الضوء على الضرائب الجديدة على الهواتف المحمولة والعقارات قد يكون محاولة لصرف الانتباه عن قضايا سياسية أعمق، ويظل التحدي القائم هو كيفية موازنة الدولة بين حاجتها لتعظيم مواردها وبين الالتزام بالحقوق الدستورية للمواطنين في حياة كريمة ومسكن آمن، بعيدا عن سياسات الجباية التي ترهق الممولين الملتزمين وتضعف القوة الشرائية في مجتمع يطمح للنمو والاستقرار.







