حقوق وحرياتفلسطين

مأساة الجامعة الإسلامية في غزة من منارة علم إلى أطلال نازحين

شاهد العالم مأساة حقيقية تجسدت في تحول صروح العلم إلى ركام يؤوي المشردين حيث باتت الجامعة الإسلامية في غزة رمزا صارخا لضريبة الدم والجهل التي يفرضها العدوان المستمر وسط غياب تام للمقومات الأساسية للحياة التعليمية والإنسانية في قطاع غزة المنكوب.

سجلت السجلات الأكاديمية صدمة كبرى حين توقفت الجامعة الإسلامية في غزة عن استقبال آلاف الطلاب الذين كانوا يتوزعون على 11 كلية متنوعة تشمل الطب والهندسة والآداب وتكنولوجيا المعلومات، وبدأت فصول الكارثة في التاسع من أكتوبر عام 2023 حين استهدف القصف المدمر الحرم الرئيسي للجامعة بمدينة غزة في ثاني أيام الحرب، وأسفر هذا الاستهداف الممنهج عن شلل تام في كافة الأنشطة التعليمية والمؤسسية داخل القطاع، وحاولت إدارة الجامعة الإسلامية في غزة استئناف المسيرة التعليمية بنطاق مصغر في النصف الثاني من عام 2024 عبر الاعتماد على التعليم عن بعد، وجاء هذا القرار الاضطراري بعدما تأكد أن المباني لم تعد صالحة للتدريس نهائيا، واستحالت عمليات إعادة الإعمار في ظل استعار العمليات العسكرية التي لا تتوقف.

تحولت ما تبقى من جدران الجامعة الإسلامية في غزة إلى ملاذ أخير للنازحين الفارين من الموت في ظل غياب أي بدائل عملية، وازدادت وتيرة الازدحام داخل أطلال الحرم الجامعي بشكل غير مسبوق بعد عودة آلاف النازحين من جنوب القطاع إلى شماله خلال هدنة لم تكتمل في شتاء عام 2025، وساهمت أوامر الإخلاء القسرية التي أصدرتها قوات الاحتلال للسكان في دفع موجات بشرية هائلة نحو الجامعة الإسلامية في غزة بحثا عن سقف يقيهم القذائف، وباتت الجامعة الآن تضم عائلات بكامل أفرادها يعيشون في ظروف قاسية للغاية بين الأنقاض التي كانت يوما قاعات للمحاضرات والبحث العلمي.

حكايات النازحين داخل أروقة الجامعة الإسلامية في غزة المدمرة

تروي تفاصيل مؤلمة عن واقع مخيم جباليا الحالي كونه أحد خريجي كلية الآداب تخصص علم النفس عام 2016، ووجد نفسه اليوم نازحا يسكن داخل إحدى القاعات الدراسية التي تلقى فيها علومه سابقا، ونصب النازحون خيامهم البدائية داخل حطام القاعات والمباني الإدارية والمكتبة المركزية والمختبرات العلمية التي طالها الدمار الشامل، واحترقت قاعة المؤتمرات الكبرى لتتحول هي الأخرى إلى مساحة مكدسة بالخيام، وانتشرت مراكز الإيواء العشوائية بكثافة في ساحات الجامعة وملعبها الرياضي لاستيعاب الفارين من العمليات العسكرية المتصاعدة في المناطق السكنية المجاورة للحرم الجامعي.

اتخذ الأطفال النازحون من مداخل مباني الكليات المهدمة ساحات للهوهم الحزين وسط ركام الجامعة الإسلامية في غزة التي فقدت هويتها الأكاديمية لصالح هوية اللجوء، ورصدت التقارير الميدانية تحول المختبرات التي كانت تخرج العلماء إلى مطابخ بدائية تعمل بوقود الحطب، وأكدت المعطيات أن الجامعة الإسلامية في غزة تعاني من تكدس بشري يفوق طاقتها الاستيعابية بمراحل، واضطر النازحون لاستخدام الأثاث الجامعي المحطم كمتاريس للخصوصية داخل الخيام المنصوبة في الممرات، واستمر العدوان في محاصرة أحلام الطلاب الذين باتوا يشاهدون جامعتهم وهي تندثر تحت وطأة الصواريخ والنزوح المستمر.

استرجعت الذاكرة الأكاديمية تاريخ الجامعة الإسلامية في غزة كأهم مؤسسة تعليمية في القطاع قبل أن يحولها أكتوبر 2023 إلى كومة من التراب، واختفت ملامح الكليات المتخصصة تحت وطأة القصف الممنهج الذي لم يفرق بين مبنى إداري ومختبر علمي، وأوضحت الصور حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية للجامعة الإسلامية في غزة مما يجعل العودة للتعليم النظامي ضربا من المستحيل في الوقت الراهن، وظلت الجامعة الإسلامية في غزة شاهدة على إرادة البقاء رغم محاولات المحو الكامل للهوية الثقافية والتعليمية للشعب الفلسطيني في غزة، وانتهت كافة المحاولات الدولية لتأمين المؤسسات التعليمية بالفشل أمام إصرار الاحتلال على تدمير كل مقومات الحياة.

فرض الواقع المرير على الجامعة الإسلامية في غزة دورا لم يكن في الحسبان وهو احتواء مأساة النازحين بدلا من تخريج الكوادر، وظل اسم الجامعة الإسلامية في غزة يتردد في المحافل الدولية كمثال حي على استهداف المؤسسات المدنية، وتحول عبد الله خضر وغيره من الخريجين إلى حراس لذكرياتهم داخل غرف باتت تفتقر لأبسط قواعد الأمان، واستمرت الجامعة الإسلامية في غزة في استقبال المزيد من العائلات مع كل غارة جديدة تستهدف الأحياء المحيطة، وبقيت الأطلال تروي قصة جيل كامل فقد حقه في التعليم ليجد نفسه يبحث عن شربة ماء ومأوى تحت ركام مدرجات الجامعة الإسلامية في غزة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى