
في لحظة سياسية شديدة التعقيد، تستعرض كل من الولايات المتحدة وإيران عضلاتهما على طاولة التفاوض، في مشهد يعكس طبيعة العلاقات الدولية حين تتشابك المصالح وتتضارب الحسابات. فواشنطن، المثقلة بأزماتها الداخلية وتعثر تحالفاتها الخارجية، تبدو حريصة على تسجيل إنجاز استراتيجي يعيد ترميم صورتها. وفي المقابل، تواجه طهران أزمات اقتصادية خانقة، ومعارضة داخلية مترقبة، وبيئة إقليمية ضبابية، فضلًا عن سند دولي غير محسوم من جانب موسكو وبكين.
هذه المعطيات تشير إلى أن طرفي التفاوض ليسا في وضع مريح، ما يفتح الباب أمام قوى إقليمية أخرى لالتقاط اللحظة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمتلك الطرف العربي الحد الأدنى من الإدراك الاستراتيجي لاستثمار هذه الفرصة؟
جرّ الموقف الأمريكي نحو الرؤية الإسرائيلية
يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دفع واشنطن لتبني مطالبه كاملة، والمتمثلة في إنهاء البرنامج النووي الإيراني، ووقف إنتاج الصواريخ بعيدة المدى، وقطع الدعم الإيراني عن حلفائها في فلسطين ولبنان واليمن والعراق. غير أن حصر التفاوض في هذه الزاوية الأمنية البحتة يتجاهل جذور عدم الاستقرار في المنطقة.
القضية الفلسطينية… العقدة المركزية
يرى الكاتب أن القضية الفلسطينية تمثل السبب البنيوي لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط منذ عام 1947. فحتى لو استجابت إيران للمطالب الأمريكية، فإن غياب حل عادل للقضية الفلسطينية سيبقي المنطقة رهينة دورات توتر متكررة.
ومن هنا، يقترح خريطة تفاوضية عربية تقوم على مقايضة واضحة: دعم المطالب الأمريكية والإسرائيلية تجاه إيران، مقابل التزام زمني محدد بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس، استنادًا إلى قرارات الشرعية الدولية.
العودة إلى ما قبل معاهدة السلام… ورقة ضغط محتملة
في حال رفض إسرائيل لهذه المطالب، يقترح الطرح إعلان العودة إلى الحالة القائمة قبل معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وإعادة تفعيل مكاتب المقاطعة، واعتبار اتفاقات إبراهام لاغية. وهي خطوة يراها الكاتب ضرورية لإضفاء مصداقية على أي موقف تفاوضي عربي.
مبررات الخطة العربية
يستند المشروع المقترح إلى عدة اعتبارات استراتيجية، أبرزها:
- أن أي مواجهة عسكرية بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، ستجعل الساحة العربية مسرحًا مباشرًا للصراع، بما يهدد منشآت النفط والموانئ ومحطات التحلية والمطارات.
- أن تسوية القضية الفلسطينية تمثل صمام أمان إقليميًا ودوليًا، نظرًا لتداعيات الحرب المحتملة على أسعار الطاقة والتجارة العالمية والطيران المدني.
- أن تحقيق الدولة الفلسطينية سيجد دعمًا واسعًا من دول أوروبية وروسيا والصين، في ظل تراجع صورة إسرائيل دوليًا وتصاعد الانتقادات الموجهة لسياساتها.
- أن المشروع قد يوفر لإيران غطاءً سياسيًا لتقديم تنازلات في ملفاتها النووية والصاروخية، بما يخلق تقاطع مصالح عربي–إيراني مؤقت يخدم هدف الاستقرار.
شرط المصداقية
يشدد الكاتب على أن أي مشروع عربي لن تكون له قيمة ما لم يرتبط بتهديدات جدية قابلة للتصديق. فالتفاوض، كما يوضح، ليس مصالحة عقلية بل فن توظيف القوة والفرص المتاحة. الذهاب إلى طاولة التفاوض دون أدوات تأثير حقيقية يجعل الموقف العربي مجرد حضور شكلي.
فرصة لالتقاط اللحظة
إذا ما جرى تبني هذا الطرح، فإن الإدارة الأمريكية قد تضيف إلى سجلها إنجازًا يتعلق بسلام الشرق الأوسط، بينما تتجنب الدول العربية مخاطر التحول إلى ساحة حرب إقليمية واسعة، وتزداد عزلة إسرائيل في ظل بيئة سياسية داخلية متوترة.
وفي ختام مقاله، يوجه وليد عبد الحي سؤالًا مفتوحًا للنظام العربي الرسمي: هل يمتلك الجرأة لتوظيف اللحظة التاريخية، أم سيترك مسرح المنطقة يُهندس وفق تفاهمات أمريكية–إيرانية–إسرائيلية، بينما يظل الفاعل العربي في موقع المتفرج؟
الكرة، كما يبدو، في الملعب العربي.







