ملفات وتقاريرمنوعات

تحولات مشهد الفن المعاصر في مصر تزامنا مع مرور عشرين عاما على التأسيس

يواجه الفن المعاصر في مصر تحديات هيكلية معقدة تزامنا مع إتمام مؤسسات فنية مستقلة عقدها الثاني وسط متغيرات اقتصادية وسياسية بالغة الصعوبة، حيث تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة الكيانات غير الرسمية على الصمود في ظل تراجع الدعم التقليدي وتصاعد نماذج احتكارية جديدة، ويعكس المشهد الحالي صراعا خفيا بين محاولات التجريب الحرة وبين أطر التوجيه التي تفرضها القوى المالية الصاعدة في السوق الفني، مما يجعل الحديث عن الاستمرارية ضربا من المغامرة المحفوفة بالمخاطر المهنية واللوجستية في آن واحد.

تستعرض تجربة مركز الصورة المعاصرة ومؤسسة مدرار مسيرة امتدت منذ عام 2004 حتى عام 2024 لتقديم بدائل بصرية تتجاوز النمط الأكاديمي، فقد انطلقت هذه المنصات لتوفير مساحة للفنون التي رفضتها المؤسسات التقليدية مثل أتيليه القاهرة وقصر الفنون وجاليريهات الزمالك، واهتمت هذه الكيانات بتعزيز فنون الفيديو والتصوير الرقمي والتركيب في الفراغ بعيدا عن إعادة تدوير أعمال الرواد الكلاسيكية، وساهمت ثورة الاتصالات بنهاية التسعينيات في تمكين الفنانين من أدوات تكنولوجية حديثة كسرت احتكار النخب الفنية التقليدية للمجال الإبداعي العام.

الصراع بين المؤسسات المستقلة والنماذج الاحتكارية الجديدة

تتصاعد حدة التباين في المشهد الثقافي مع ظهور مهرجانات ضخمة مثل آرت ديجيب ومهرجان وسط القاهرة للفنون المعاصرة التي تستحوذ على موارد هائلة، وتعمل هذه الكيانات على تصدير صورة ذهنية توحي بأنها البداية الحقيقية للفن المعاصر مع تجاهل متعمد لإرث المؤسسات المستقلة العريق، ويأتي هذا التمكين المادي للمشاريع الكبرى بالتوازي مع تضييقات إجرائية وأمنية مشددة استهدفت المراكز الصغيرة والمستقلة خلال السنوات الأخيرة، مما خلق فجوة عميقة في فرص الوصول إلى مصادر التمويل المحلي والدولي المتاحة.

تسببت التشريعات القانونية ومنها قانون الجمعيات الأهلية لعام 2018 في تقويض الاقتصاد البديل الذي كان يدعم الممارسات الفنية الحرة والمستقلة، ورغم هذه الضغوط السياسية والذهنية والاجتماعية استمر برنامج نوبة أخرى من الأحلام في طرح تساؤلاته حول معنى الحلم في القاهرة، وحاول القائمون على البرنامج استعادة تاريخ المشهد الفني عبر ورشة عمل أعدها إسماعيل فايد بمشاركة أكثر من مائة متقدم، وشهدت الفعاليات نقاشات معمقة ضمت فنانين وقيمين مثل رنيم الحداد ومروة بن حليم ومحمد علام ومحمد يحيى ومنى خليل.

مراجعة المسارات الفنية المستقلة وتحديات التعليم الأكاديمي

تضمنت الفعاليات الفنية عرض أعمال لمبدعين منهم أحمد الشاعر وأحمد بدري وأحمد نادر وإسراء الفقي وأمير عبد الغني وآية السيد، وشارك في صياغة الرؤى النقدية كل من إيمان إبراهيم وشيرين لطفي وريم المغربي وعمرو الكفراوي ومحمد إسماعيل ومحمد عبد الكريم، كما ركزت المداخلات على فحص العلاقة المتوترة بين التعليم الأكاديمي والممارسات المستقلة التي يقدمها فنانون مثل مروان الجمل ومصطفى يوسف وملك ياقوت، وأكدت النقاشات أن النموذج التعليمي التقليدي يعجز عن مواكبة التحولات السريعة في وسائط التعبير البصري الحديثة.

طرحت مروة السيد تساؤلات حول جدوى المحاولة في ظل بنية مشهد فني مأزوم، بينما اعتبرت شيرين عبد ربه أن الفن المعاصر بات أداة للمقاومة وكشف المخفي وليس مجرد وسيلة للتعبير الجمالي، وحاول فيلو ألكسندر تفكيك الجدران الوهمية التي تجعل الفن حكرا على النخبة عبر تمارين مخصصة لفهم الأعمال المعقدة، وفي سياق متصل اهتم حسن عبد الهادي بجسر الفجوة بين المنهج الأكاديمي والواقع الإبداعي، وساهمت في إدارة الجلسات الفنية والبحثية شخصيات بارزة منها مها مأمون وأحمد رفعت ومنة الشاذلي وحبيبة سلام.

استعرض المعرض الجماعي أرشيفا بصريا غنيا تضمن أعمالا أنتجت على مدار عقدين في مختبرات الواقع الافتراضي ومهرجان القاهرة للفيديو، وشارك في الفعاليات الختامية كل من لما أحمد وآلاء عبد الخالق لربط الفن بالتحليل النفسي والشعري في محاولة أخيرة لاستشراف مستقبل الاستمرارية، ويبقى السؤال معلقا حول قدرة هؤلاء المبدعين على الحلم مجددا في ظل بيئة ترفض التعددية وتدعم الاحتكار، ومع ذلك تستمر المحاولات الفردية والجماعية للحفاظ على ما تبقى من مساحات حرة للتعبير الفني المعاصر في قلب العاصمة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى