اقتصادمصرملفات وتقارير

توجيهات حكومية لضخ 40 مليار جنيه ضمن الحزمة الاجتماعية لدعم المواطنين بمصر

تعتزم السلطات التنفيذية تفعيل خطة عاجلة لضخ استثمارات اجتماعية بقيمة 40 مليار جنيه مصري لمواجهة التحديات المعيشية الراهنة، حيث تشمل الحزمة الاجتماعية توزيع مخصصات مالية على قطاعات حيوية تمس حياة المواطن بشكل مباشر، ويهدف التحرك الجديد إلى تعزيز شبكة الحماية من خلال توجيه 15 مليار جنيه لمشروعات تطوير الريف، بالإضافة إلى رصد 8 مليارات جنيه لدعم منظومة السلع التموينية لضمان وصول الدعم لمستحقيه، كما تضمنت القرارات تخصيص 6 مليارات جنيه لملف العلاج على نفقة الدولة وإنهاء قوائم الانتظار بالمستشفيات، وتأتي هذه الخطوات في وقت تسعى فيه الدولة لإثبات قدرتها على إدارة الموارد المالية بكفاءة وتحويل الفوائض المحققة إلى خدمات ملموسة ترفع العبء عن كاهل الأسر المصرية، في ظل سياسات مالية تهدف لتحقيق التوازن بين الانضباط الاقتصادي والالتزامات الاجتماعية الواجبة.

تؤكد البيانات الرسمية أن الحزمة الاجتماعية الحالية تمثل إنفاقا إضافيا يتجاوز التقديرات الأولية للموازنة العامة للدولة، ورغم أن المبادرات السابقة في عام 2022 ارتبطت بضغوط تضخمية ناتجة عن تحرير سعر الصرف، إلا أن التحرك الحالي يأتي في سياق مختلف يتسم بتراجع معدلات التضخم إلى 10.1%، ويوضح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن هذه المخصصات جاءت نتيجة تحسن ملحوظ في الإيرادات العامة للدولة، مما سمح بتوجيه هذه الزيادات بعناية فائقة لصالح الفئات الأكثر احتياجا، ومن جانبه أشار وزير المالية أحمد كجوك إلى التزام الوزارة بتوجيه أي موارد إضافية تتوفر مستقبلا نحو تحسين الخدمات، وهو ما يعكس رغبة في استثمار نمو الحصيلة الضريبية التي ظهرت ملامحها عقب تقديم الإقرارات السنوية للشركات في شهر يناير الماضي، لاسيما مع وضوح الرؤية بشأن الإيرادات المتوقعة قبل نهاية العام المالي الجاري.

يربط المحللون ومنهم عبد المنعم إمام وكيل لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب توقيت إعلان الحزمة الاجتماعية باقتراب ختام العام المالي، حيث تتبلور الصورة النهائية لتدفقات السيولة ومدى اتساقها مع المستهدفات التي أقرتها الحكومة سابقا، وتلعب الضرائب دورا محوريا في تأمين هذه التمويلات خاصة بعد ظهور نتائج الفحص الضريبي للشركات الكبرى، وفي الوقت ذاته تلتزم الدولة بتوصيات صندوق النقد الدولي التي تفرض قيودا صارمة على سقف الإنفاق العام، حيث تهدف السياسة المالية لتحقيق فائض أولي يتراوح بين 4% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا الالتزام بالانضباط المالي يجعل التحركات الاجتماعية محكومة بسقف محدد، مما يفسر التباين بين قيمة الحزمة الحالية البالغة 40 مليار جنيه، وبين حزم سابقة وصلت إلى 180 مليار جنيه في أعوام مضت شهدت توسعا في علاوات الأجور.

تستهدف الحزمة الاجتماعية الجديدة دعم نحو عشرة ملايين أسرة من المقيدين على منظومة البطاقات التموينية، حيث تقرر منح كل حامل بطاقة مبلغ 400 جنيه إضافية تصرف مرتين بالتزامن مع المناسبات الدينية القادمة، وأشار أحمد كجوك إلى أن هذا التوجه يعزز من فكرة الدعم النقدي المباشر الذي يمنح الأسر حرية اختيار السلع الضرورية، كما تم تخصيص دعم استثنائي لنحو 5.2 مليون أسرة مسجلة في برنامج تكافل وكرامة بقيمة 400 جنيه لمدة شهرين متتاليين، مع التأكيد على عدم تداخل المستفيدين بين البرنامجين لضمان اتساع رقعة الاستفادة، وقد سجلت هذه المنح نموا بنسبة 25% لمستفيدي تكافل وكرامة مقارنة بالعام الماضي، بينما قفزت نسبة الزيادة لمستفيدي التموين إلى 220% بعد توحيد المبالغ الممنوحة دون النظر لعدد الأفراد المدرجين، مما يعكس تحولا في استراتيجية توزيع المعونات المالية.

تضمنت القرارات أيضا تخصيص مبالغ مالية لدعم فئات نوعية ضمن الحزمة الاجتماعية، حيث شملت 30 ألف طفل و15 ألف سيدة من المستفيدين من معاش الطفل والرائدات الريفيات بواقع 300 جنيه مرتين، وفي القطاع الصحي جرى تخصيص 3.3 مليار جنيه لتسريع وتيرة انضمام محافظة المنيا لمنظومة التأمين الصحي الشامل، باعتبارها من المحافظات التي تتطلب تدخلا عاجلا لتحسين مستوى الرعاية الطبية، كما تم رصد 3 مليارات جنيه لكل من بند العلاج على نفقة الدولة وبند القضاء على قوائم الانتظار الجراحية، ورغم هذه الجهود يرى خبراء ضرورة دمج تكلفة الأدوية المزمنة ضمن هذه الحزم لمواجهة الارتفاعات السعرية الكبيرة، خاصة أن تطبيق التأمين الشامل في المنيا سيؤدي تدريجيا إلى إلغاء الأنظمة العلاجية القديمة وتوحيد جهة تقديم الخدمة الصحية للمواطنين هناك.

يشير محمود سامي عضو لجنة الخطة والموازنة إلى أن تخصيص 15 مليار جنيه لمبادرة حياة كريمة يثير تساؤلات حول خلط الإنفاق الاستثماري بالاجتماعي، حيث تركز المبادرة على مشروعات البنية التحتية مثل شبكات المياه والصرف الصحي في القرى، وقد شهدت هذه المشروعات تباطؤا في التنفيذ نتيجة القيود المفروضة على الإنفاق الاستثماري وارتفاع تكاليف الخامات بسبب التضخم، وتمثل الحزمة الاجتماعية المعلنة نحو 0.8% فقط من إجمالي مصروفات موازنة العام المالي 2025/2026، وهي نسبة تعكس سياسة تقشفية مستمرة حيث ينمو بند الدعم والمنح بمعدلات أقل بكثير من نمو فوائد الديون وأقساطها، إذ زاد الإنفاق على الفوائد بنسبة 843% خلال عشر سنوات، في حين لم يتجاوز نمو المخصصات الاجتماعية 270%، مما يضع ضغوطا على فاعلية هذه الإجراءات في ظل غياب بيانات حديثة عن معدلات الفقر.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى