اختطاف الأطفال في اليمن جريمة تتسع في الظل ووصمة تقيد العدالة

تواجه الطفولة في اليمن تحديات جسيمة مع اقتراب الصراع من عامه الحادي عشر حيث برزت ظواهر اجتماعية مفزعة تتناسب طرديا مع حدة الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي، ولم يعد الصغار بمنأى عن أنياب الجريمة المنظمة في ظل غياب الرقابة الأمنية واتساع رقعة الفقر التي نهشت جسد المجتمع، وسجلت التقارير الحقوقية مؤخرا 180 حالة اختطاف و137 حالة اختفاء قسري للأطفال في مؤشر خطير يعكس هشاشة منظومة الحماية في المدن المكتظة، ويضع هذا الوضع المتدهور الجميع أمام استحقاق أخلاقي وقانوني عاجل لإنقاذ جيل يغرق في ثقب أسود من الانتهاكات الصارخة التي تمس براءة الصغار وتدمر مستقبلهم، وتعد ظاهرة اختطاف الأطفال في اليمن تهديدا مباشرا للأمن السلمي والنسيج المجتمعي الذي بات يتمزق بفعل عصابات منظمة تستغل حالة الفوضى العارمة وتعدد مراكز القوى التي أضعفت قبضة القانون، وتستوجب هذه الأرقام المفزعة تحركا يتجاوز مجرد الرصد الحقوقي إلى تفعيل أدوات الردع الحقيقية لمواجهة التغول الإجرامي المستمر.
يمنح المشرع إطارا قانونيا صارما لمواجهة هذه الظاهرة يتجسد في القانون رقم 24 لسنة 1998م بشأن مكافحة جرائم الاختطاف والتقطع الذي لا يتهاون في توصيف العقوبات الرادعة، وتصل عقوبة اختطاف طفل أو امرأة في هذا القانون إلى السجن لمدة 20 عاما وتتصاعد لتصل إلى 25 عاما في حال اقترن الفعل بإيذاء جسدي، وفي الحالات الأشد قسوة التي تشهد اعتداء جنسيا أو قتلا يقر القانون عقوبة الإعدام حدا وتعزيرا تعبيرا عن فداحة الجرم المرتكب بحق البراءة المسلوبة، وعلى الرغم من شمولية النص القانوني الذي يساوي بين الجاني الأصلي والمحرض والمسهل بل ويعاقب المتسترين بالسجن لمدد تتراوح بين 5 إلى 8 سنوات إلا أن فجوة التنفيذ تظل هي المعضلة الكبرى، وتعيش النصوص القانونية حالة من العزلة عن الواقع المرير بسبب انشطار المؤسسات القضائية وضعف الأجهزة الأمنية مما حول هذه العقوبات إلى حبر على ورق ومنح العصابات ضوءا أخضر للاستمرار في جرائم اختطاف الأطفال في اليمن.
استعادة هيبة القانون وحتمية المواجهة الأمنية
تتطلب استعادة هيبة الدولة ما هو أكثر من مجرد نصوص جامدة فهي تستلزم إرادة سياسية حقيقية لتوحيد الجهود الأمنية وتفعيل دوائر الرقابة المشددة على بؤر الجريمة، ويراقب المجتمع بمرارة كيف تتسبب البيروقراطية وبطء الإجراءات في إفلات المجرمين من العقاب العادل وهو ما يستدعي ثورة إدارية داخل أروقة النيابات والمحاكم لضمان سرعة الفصل في القضايا، وتؤكد صباح راجح رئيسة مركز اتحاد نساء اليمن في تعز أن المعركة ضد الاختطاف هي معركة ثقافية بامتياز وليست أمنية فحسب حيث يتحول المجتمع أحيانا إلى شريك غير مباشر، ويحدث ذلك عبر لوم الضحية وأسرتها خاصة عندما يتعلق الأمر بالفتيات اللواتي تجاوزن سن الثانية عشرة حيث يفسر اختطافهن غالبا على أنه حالات هروب إرادي، وتجهض هذه النظرة الدونية القضية في مهدها وتحرم الضحية من حق الحماية والإنصاف القانوني وتجعل من اختطاف الأطفال في اليمن ملفا شائكا يختلط فيه الحق بالباطل.
توضح صباح راجح في تحليلها النفسي أن استغلال القاصرين لا يمكن اعتباره رضا بأي حال من الأحوال لأن الفتاة تحت سن 18 عاما غير مسؤولة جنائيا، وتضيف أن الطرف الآخر يستغل الهشاشة العاطفية أو الوضع الاقتصادي المتردي لإيقاع الضحايا في فخ الجريمة المنظمة التي تدار باحترافية عالية، ويساهم هذا الخلط المتعمد بين الاختطاف والهروب في بناء جدار من الصمت يمنع الأسر من إبلاغ السلطات خوفا من الفضيحة التي تلاحق الضحية بدلا من الجاني، ويتطلب كسر دائرة الوصمة تكاتفا بين كافة الجهات لتغيير الوعي الجمعي وإعادة تعريف العلاقة بين المواطن ورجل الأمن وتوفير بيئة آمنة تضمن سرية المعلومات، وبدون هذا التغيير الجذري ستظل الجريمة تتغذى على خوف الأهالي وسيبقى الجناة يمارسون انتهاكاتهم وهم يدركون أن ستار العيب هو أقوى سلاح في ترسانتهم للاختفاء عن أعين العدالة المغلولة.
يسلط أحمد القرشي رئيس منظمة سياج لحماية الطفولة الضوء على عقبة جوهرية تتمثل في السلوك المجتمعي تجاه البلاغات الأمنية والحذر من التعامل مع الشرطة، ويرى أحمد القرشي أن عبارة استر ما ستر الله تحولت إلى حجر عثرة أمام كشف الحقيقة حيث يتم تقديم البلاغات على استحياء مع إخفاء تفاصيل حيوية، ويؤدي هذا التستر المتعمد في كثير من الأحيان إلى التنازل عن القضايا قبل اكتمال التحقيقات مما يشجع المجرمين على تكرار أفعالهم مع ضحايا آخرين جدد، ويطرح أحمد القرشي رؤية إصلاحية تتجاوز مجرد التوعية التقليدية داعيا إلى إنشاء دور إيواء متخصصة ورعاية للفتيات والمراهقات العائدات من الاختطاف لقطع الطريق أمام الحلول العرفية، وتتمثل هذه الحلول في تزويج الضحية من الجاني كنوع من غسل العار وهو ما يكرس استمرار جريمة اختطاف الأطفال في اليمن تحت غطاء اجتماعي.
تداعيات نفسية مدمرة وتهديد للمستقبل الوطني
تبرز الندوب النفسية الغائرة كأخطر إفرازات هذه الجرائم بعيدا عن قاعات المحاكم وهو ما تحاول مبادرة إكسير للطفولة معالجته بوسائل محدودة، وتوضح آية خالد المتخصصة في إعلام الطفل ومؤسسة المبادرة أن التحدي الأكبر يكمن في ندرة المتخصصين في علم نفس الطفل وصعوبة وصول الأسر للمراكز، وتعتمد المبادرة الجلسات عبر الإنترنت لتوفير مساحة آمنة للأطفال العائدين من الاختطاف للتفريغ النفسي بعيدا عن ضغوط العائلة والمجتمع المحيط بهم، وتحذر آية خالد من استمرارية أثر الصدمة مؤكدة أن الاختطاف يترك آثارا لا تندمل تلقائيا بمرور الزمن وتؤثر على سلوك الفرد مستقبلا، وإذا نشأ طفل اليوم في بيئة مليئة بالصدمات فإن مستقبل المجتمع سيكون انعكاسا لذلك فلا يمكن لطفل مشوه نفسيا أن يحمل لوطنه الولاء والمحبة المطلوبة للبناء والتنمية.
يضع هذا التحليل الصحة النفسية للطفل في قلب الأمن القومي حيث أن تجاهل علاج هؤلاء الصغار يعني إنتاج جيل منكسر قد يكون عرضة للاستقطاب العنيف، ويفرض الالتزام الدولي باتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 حماية الصغار من كافة أشكال العنف والحرمان من الحرية وهو ما يغيب تماما عن الواقع المحلي، وتبرز الحاجة الماسة إلى تحرك عاجل لفتح تحقيقات شفافة في كافة حالات الاختفاء القسري التي طالت المئات خلال السنوات الماضية دون محاسبة، إن صرخة الأطفال المختطفين هي دعوة لكل مسؤول ومواطن بأن حماية الطفولة ليست رفاهية بل هي الأساس الوحيد لبناء مجتمع سوي يطمح للتعافي، وستظل قضية اختطاف الأطفال في اليمن وصمة عار تلاحق كل من صمت عن هذه الجرائم أو ساهم في إفلات الجناة من العقاب الرادع الذي يستحقونه.





