شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: عماد الدائمي… تونس الممكنة

باريس لم تكن تلك الليلة مدينةً للنور وحده، بل مدينةً لفكرةٍ تبحث عن وطنها. في قاعةٍ احتضنها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، برئاسة المفكر الدكتور عزمي بشارة، اجتمعنا حول كتابٍ لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يدعو إلى أن يُناقَش وأن يُختبَر في ضمير كل قارئ.

قدّم الدكتور سلام الكواكبي الكتاب بوعي الباحث وهدوء العارف، وأدار الدكتور عادل السلمي النقاش بعينٍ تمسك بالخيوط وتترك للأفكار أن تتنفس. أما أنا، فكنت شاهدًا على تجربة، وصديقًا لرجلٍ عرفته في معترك الأيام قبل أن أقرأه في سطور كتاب.

«تونس الممكنة» ليس عنوانًا عابرًا، ولا عبارةً منمّقة تصلح لغلافٍ جذّاب. العنوان سؤالٌ مفتوح، وعتبةُ تحدٍّ، وإعلانُ تمرّدٍ على خطاب اليأس. في زمنٍ صارت فيه كلمة «المستحيل» مريحةً للبعض، يأتي عماد الدائمي ليقول إن الممكن ليس وهْمًا، بل مشروعًا ينتظر شجاعة من يؤمن به.

الكتاب لا يقدّم سردية بطولية، ولا يصوغ مرثية لمرحلةٍ انكسرت. لا يكتب صاحبه من برجٍ أكاديميٍّ معزول، ولا من مقعد مراقبٍ بارد. يكتب من قلب التجربة؛ من دهشة الثورة، من تعقيد الدولة، من قسوة الانكسار، ومن عناد الأمل. تلك المسافة الصعبة بين الحلم والسلطة، بين الشارع والمؤسسة، هي الحبر الحقيقي الذي صاغ هذه الصفحات.

شدّني في هذا العمل أنه يرفض ثنائية التقديس والشيطنة. لا يتعامل مع الثورة كأيقونةٍ معصومة، ولا مع الدولة كوحشٍ أبدي. يراهما ككائنين بشريين؛ يخطئان، يتعثران، ويتعلمان. الإصلاح هنا ليس شعارًا، بل مسارًا طويلًا يحتاج عقلًا باردًا وقلبًا دافئًا في آنٍ واحد.

«تونس الممكنة» ليست تونس المثالية التي تحلّق فوق الواقع، ولا تونس الحالمة بلا حدود. إنها تونس التي يمكن إنقاذها إذا تحررنا من عقدة البحث عن المخلّص، وإذا امتلكنا شجاعة النقد الذاتي، وصبر البناء، وصدق المصارحة. الكتاب يذكّرنا بأن الديمقراطية ليست لحظة اقتراع، بل ثقافة مساءلة، ومسؤولية مواطن.

في تفاصيله، يقترب عماد من الاقتصاد كما يقترب من السياسة؛ يربط بين العدالة الاجتماعية وفعالية الإدارة، بين كرامة المواطن وصلابة المؤسسات. لا يفصل الحرية عن الخبز، ولا يفصل الدولة عن الإنسان. تلك الرؤية التكاملية تمنح النص عمقًا يتجاوز اللحظة الانتخابية إلى سؤال الدولة الحديثة نفسها.

المرشح لرئاسة تونس 2024 لا يكتب هنا برنامجًا انتخابيًّا بقدر ما يكتب مراجعةً فكرية لمسارٍ كامل. مراجعةٌ لا تبحث عن شماعات، ولا تصنع خصومًا وهميين. المسؤولية مشتركة، والخطأ إنساني، والإصلاح ممكن إذا توافرت الإرادة والمعرفة.

تونس في هذا الكتاب ليست جغرافيا فحسب؛ إنها مختبرٌ عربيٌّ لسؤال أكبر: هل يمكن للثورات أن تنضج دون أن تفترس أبناءها؟ هل تستطيع الدولة أن تتجدّد دون أن تخون روحها؟ الإجابة ليست جاهزة، لكنها تبدأ بالاعتراف بأن الطريق لا يُختصر، وأن التاريخ لا يُكتب بالشعارات وحدها.

خرجت من الندوة وأنا أكثر يقينًا بأن السياسة، حين تتحرر من ضجيجها اليومي، يمكن أن تستعيد معناها الأخلاقي. عماد الدائمي في «تونس الممكنة» لا يبيع أملًا رخيصًا، ولا يوزّع وعودًا معلّبة. يضع أمامنا مرآةً، ويدعونا إلى أن نسأل أنفسنا: أيّ تونس نريد؟ وأيّ مستقبل نستحق؟

هكذا يكتب السياسي حين يكتب بضمير الوطن؛ لا ليمجّد نفسه، بل ليختبر أفكاره أمام الناس، وليفتح نافذة أملٍ في جدارٍ أثقله الإحباط. وتلك، في زمن الانكسارات العربية، شجاعةٌ تستحق القراءة… وتستحق الحوار.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى