مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب: التسويات مع المتهمين بجرائم الحرب – قراءة قانونية نقدية

تطرح سياسات “التسوية” التي تُعتمد في سياقات ما بعد النزاعات إشكالية مركّبة تتصل بطبيعة الفعل الجرمي، وحدود سلطة الدولة في التصرّف به، وحقوق الضحايا غير القابلة للتصرف. في الحالة السورية، يتخذ هذا النقاش طابعًا حاسمًا، لأن أي خلط بين الجرائم الاقتصادية القابلة للمعالجة المالية وبين الجرائم الدولية الجسيمة يهدد بإعادة إنتاج أحد الأسباب الجوهرية للنزاع، وهو الإفلات من العقاب. إن العدالة الانتقالية، بوصفها مسارًا قانونيًا ومجتمعيًا لإعادة بناء الشرعية، تفترض تمييزًا صارمًا بين ما يمكن تسويته وما لا يجوز أن يخضع للمساومة.

من منظور قانوني مقارن، تُظهر تجارب عدة أن التسويات المالية في قضايا الفساد والكسب غير المشروع قد تكون أداة فعّالة لاستعادة المال العام، شريطة أن تتم ضمن إطار قضائي مستقل وشفاف، وأن تُربط مباشرة بجبر الضرر. ففي نيجيريا، أُبرمت تسويات مالية لاسترداد أصول منهوبة تعود لمسؤولين سابقين، وأُعلن عن تخصيص أجزاء من الأموال المستعادة لبرامج اجتماعية للفئات الأكثر فقرًا.

ورغم الانتقادات المتعلقة بالحوكمة، فإن التجربة أبرزت إمكانية توظيف التسوية المالية كأداة للعدالة الاقتصادية. وفي بيرو، جرى التوصل إلى اتفاقات مالية مع شركات ومسؤولين في قضايا فساد واسعة، ووجّهت التعويضات لدعم الخزينة العامة ومشاريع تنموية. كذلك في البرازيل، أسفرت تسويات قضائية ضمن قضايا فساد كبرى عن استرداد مليارات الدولارات.

هذه الأمثلة تؤكد أن التسوية المالية، في الجرائم ذات الطابع الاقتصادي، يمكن أن تكون أداة لاستعادة الحقوق العامة إذا اقترنت بالشفافية والرقابة.

إلا أن تعميم هذا المنطق على الجرائم الدولية الخطيرة يشكل انحرافًا قانونيًا خطيرًا. فجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ليست مجرد مخالفات فردية، بل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، وتخضع لمبدأ عدم التقادم وعدم جواز العفو الشامل. نظام المحكمة الجنائية الدولية يقوم على مبدأ التكامل، أي أن الدول ملزمة بالتحقيق والمقاضاة، وإلا تدخل القضاء الدولي.

التجربة في البوسنة والهرسك عبر المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة أظهرت أن ملاحقة المسؤولين عن الجرائم الجماعية، رغم صعوبتها السياسية، أسست لاعتراف قضائي بالحقيقة وحدّت من شرعنة الإفلات من العقاب. وفي رواندا، أسهمت المحاكم الدولية ومحاكم “الغاتشاكا” المحلية في خلق مسار مزدوج للمساءلة، ما ساعد على ترميم النسيج المجتمعي، رغم التحديات والانتقادات.

في المقابل، تقدم تجارب أخرى مثالًا على هشاشة السلام عندما يُستعاض عن المحاسبة بتسويات سياسية مع متهمين بجرائم جسيمة. في جنوب السودان، اعتمدت اتفاقات تقاسم السلطة المتكررة على إدماج قادة عسكريين متهمين بفظائع واسعة في هياكل الحكم، دون تفعيل حقيقي للمحكمة المختلطة المنصوص عليها في الاتفاق.

النتيجة كانت تجدّد الاشتباكات وانهيار الثقة الشعبية. كذلك شهدت ليبيريا مرحلة طويلة من التردد في ملاحقة المسؤولين عن جرائم الحرب، ما أبقى جراح الماضي مفتوحة لسنوات قبل أن يبدأ نقاش جدي حول إنشاء آلية محاسبة. هذه النماذج تُظهر أن التسويات التي تتجاهل الجرائم الدولية قد تمنح استقرارًا مؤقتًا، لكنها لا تؤسس لسلام راسخ.

في المقابل، تقدم الأرجنتين نموذجًا معبّرًا عن أثر المحاسبة في بناء السلم الأهلي. فبعد سنوات من قوانين العفو، أُبطلت تلك القوانين وأُعيد فتح ملفات الاختفاء القسري والتعذيب، ما عزز ثقة المجتمع بالقضاء ورسّخ مبدأ عدم التكرار.

وفي سيراليون، أدى الجمع بين لجنة الحقيقة والمحكمة الخاصة إلى مساءلة القادة المسؤولين عن الفظائع، ما منح الضحايا اعترافًا رسميًا وأسهم في استقرار طويل الأمد. أما في كولومبيا، فقد صُممت الولاية القضائية الخاصة للسلام لتوازن بين الاعتراف بالمسؤولية والعقوبات المقيدة للحرية، إدراكًا بأن تجاهل المحاسبة كان سيقوض الاتفاق برمّته.

في السياق السوري، يصبح هذا التمييز أكثر إلحاحًا. التسويات المالية في قضايا الكسب غير المشروع يمكن أن تكون أداة لاستعادة أموال عامة منهوبة وتوجيهها إلى صناديق تعويض الضحايا أو إعادة إعمار المناطق المتضررة، شريطة أن تتم ضمن إطار قضائي مستقل وشفاف. غير أن إدراج مشتبهين بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية ضمن ترتيبات إدارية أو مالية يُعد انتهاكًا للالتزامات الدولية، ويُضعف شرعية أي مسار سياسي لاحق.

إن كل يوم تأخير في إطلاق مسار شامل للعدالة الانتقالية يوسّع دائرة الإفلات من العقاب ويقوّض مبدأ عدم التكرار. التأجيل لا يعني الحياد، بل يعني ترسيخ واقع قانوني مختل يُضعف ثقة الضحايا بالدولة ويغذي نزعات الانتقام وأخذ الحق بالذات. وقد أثبتت تجارب دولية أن العدالة المؤجلة تُفاقم الانقسامات بدل أن تعالجها. السلام الذي يقوم على طيّ الصفحة دون مساءلة يتحول إلى هدنة هشة، فيما السلام الذي يُبنى على الاعتراف والمحاسبة وجبر الضرر يرسّخ عقدًا اجتماعيًا جديدًا.

إن العدالة الانتقالية ليست خيارًا تكميليًا، بل شرط تأسيسي لإعادة بناء الشرعية في أي دولة خارجة من نزاع. والتجارب المقارنة توضح أن التسويات المالية قد تنجح في معالجة الجرائم الاقتصادية واستعادة الحقوق العامة، لكنها تفشل عندما تُستخدم كبديل عن محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية الجسيمة.

في المقابل، فإن الدول التي واجهت ماضيها عبر مسارات مساءلة حقيقية — كما في الأرجنتين وسيراليون ورواندا — استطاعت، رغم الصعوبات، أن تؤسس لسلام أهلي أكثر استقرارًا. بالنسبة لسوريا، فإن البدء الفوري والجدي بمسار عدالة انتقالية شامل، يميز بوضوح بين ما يجوز تسويته ماليًا وما يستوجب الملاحقة القضائية، يشكل الركيزة الأساسية لبناء سلام مستدام وعقد اجتماعي جديد قائم على الكرامة وعدم الإفلات من العقاب

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى