التطبيع القسري يعيد رسم المنطقة ويصادر السيادة ويهمش إرادة الشعوب

تتبنى القوى الكبرى استراتيجيات تهدف إلى إعادة صياغة الخارطة الجيوسياسية للمنطقة عبر فرض سياسات التطبيع القسري وتجاوز الثوابت التاريخية للشعوب الأصلية المتمسكة بحقوقها المشروعة، وتعمل هذه التحركات على تهميش الدور الشعبي في صناعة القرار الأمني والسياسي لصالح توافقات نخبوية تخدم المصالح الرأسمالية العابرة للحدود والأنظمة التابعة لها، ويشير التحليل الدقيق لمسار هذه العمليات إلى أنها تمثل آلية ممنهجة لإلغاء الوساطة الاجتماعية وتحويل قضايا الوجود والمصير إلى صفقات نفعية بحتة تتجاهل تطلعات الملايين وتطلعاتهم نحو العدالة والاستقلال والسيادة الوطنية الكاملة، وتتجلى خطورة هذا النهج في كونه يستبدل منظومة القانون الدولي والأعراف الإنسانية بمنطق الإتاوة والابتزاز السياسي الذي تمارسه الإمبراطورية الأمريكية لضمان أمن التوسع الاستعماري وترسيخ الهيمنة المطلقة على المقدرات العربية.
منطق الصفقات النخبوية وتهميش الإرادة الشعبية
تؤكد مارينا كالكولي في دراستها العميقة أن سياسات التطبيع لا تسعى لإقناع الجماهير بجدواها بل تستند إلى نزعة معاملاتية نخبوية تتجاوز الشعوب بشكل متعمد وعلني، وتكشف الدراسات التاريخية أن هذا المسار يعكس تآكلا واضحا لمفهوم السيادة التي تحولت من مسؤولية وطنية تجاه المواطنين إلى أداة لخدمة منطق رأس المال العالمي دون أدنى اعتبار للشرعية الشعبية، وتسبب هذا التحول البنيوي في انتقال الأنظمة من مربع الاصطفاف مع القضايا القومية والتضامن المناهض للاستعمار إلى منطق المقايضات الأمنية الضيقة التي عمقت من حالة الاغتراب الشعبي، وأسهمت هذه السياسات في توليد دورات متكررة من الرفض والمقاومة في مواجهة محاولات القوى الاستعمارية المستمرة لطمس الهوية الفلسطينية وتصفية القضية عبر مسارات أمنية تفتقر لأي غطاء اجتماعي حقيقي أو سند من العدالة الدولية.
مدرسة كوبنهاجن وإشكالية الجمهور في السياسات الأمنية
تعتمد نظرية الأمننة التقليدية على دور محوري للجمهور في قبول أو رفض تحويل الظواهر السياسية إلى تهديدات وجودية تستوجب إجراءات استثنائية، غير أن الواقع الراهن يشير إلى تفكيك هذا التهديد دون معالجة مسبباته الأصلية مع إعادة معايرته استعراضيا وفقا لتفضيلات نخبوية اعتباطية تفرض من الأعلى للحفاظ على الهرمية، وتظهر الحقائق أن سياسات الأمن باتت تقدم بوصفها أمرا واقعا لا يربطها أي علاقة ذات معنى بالسيادة الشعبية مما يؤدي إلى جعل حياة البشر العاديين أكثر هشاشة تحت وطأة التدخلات الإمبريالية، وتهدف هذه الاستراتيجية الممنهجة إلى محو الجغرافيات القائمة واستبدالها بكيان إقليمي متخيل يخضع بالكامل للهيمنة الأمريكية الصهيونية ويتحول إلى سوق استهلاكي مفتوح يتمحور حول التقنيات الأمنية المتقدمة وأنظمة المراقبة والعسكرة الشاملة.
تستعرض الدراسة ثلاثة محطات حاسمة في مسار التطبيع ترسم مسار تلاشي القانون الدولي أمام الإملاء المعاملاتي الصارخ الذي بدأ بمخالفة المواثيق الدولية وصولا إلى إزاحتها تماما، وتمثلت المرحلة الأولى في اتفاق السلام عام 1978 الذي وقع بين مصر وإسرائيل برعاية أمريكية وتلته مرحلة مزاحمة القانون الدولي خلال عملية أوسلو وفشل قمة كامب ديفيد عام 2000، وانتهى المسار بالمرحلة الحالية التي بدأت منذ عام 2001 وشهدت إزاحة القانون الدولي لصالح اتفاقيات أبراهام التي تزامنت مع تصاعد سياسات الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، وتكشف هذه الفترات الثلاث عن التحول التدريجي في النزعة المعاملاتية من كونها ممارسة ضمنية إلى مبدأ مؤسس للحكم الإمبراطوري الذي يسعى لجعل العالم مكانا آمنا للتوسع الاستعماري على حساب حقوق الإنسان والسيادة الوطنية.
تنتقد الرؤية التحليلية المعاصرة فشل المقاربات الواقعية والليبرالية في تفسير دوافع وديمومة عمليات التطبيع التي لم تحقق الاستقرار المنشود بل كشفت عن هشاشة الأمن العربي، فبينما يبرر الواقعيون الاعتراف السياسي مقابل الحصول على وعود أمنية زائفة فإن إسرائيل تواصل انتهاك سيادة الدول وقصف أراضيها كما حدث في سوريا وقطر رغم غياب التهديد المباشر، وفي المقابل يحتفي الليبراليون بالتعاون الاقتصادي والازدهار المزعوم حتى لو جاء على حساب الحقوق الأساسية التي يدعون الدفاع عنها مما يثبت أن المصالحة الدبلوماسية دون عدالة لا تنتج سلاما مستداما، وتكمن الأزمة الحقيقية في أن هذه السياسات تعتمد على الكذب لإنجاز الأمور مما يجعل النظام الإقليمي بأكمله اعتباطيا وإكراهيا وغير مستقر وتفقد فيه الدبلوماسية قيمتها المؤسسية لتصبح مجرد فن لتحقيق الصفقات.
تجسد الدبلوماسية الإتاوية التي تتبعها القوى الكبرى محاولة يائسة لجعل التطبيع فعلا طبيعيا وتحويل مقاومته إلى سلوك غير سوي عبر إزالة كل العقبات أمام المشروع الصهيوني، ويتم ذلك من خلال فرض اتفاقيات ثنائية تحيد إطار الأمم المتحدة وتعيد دمج الكيان المحتل في لحظة بلغت فيها انتهاكاته للقيم الإنسانية ذروتها التاريخية، إن هذا الإخضاع الفوري لا يقدم وعودا بمكافآت مستقبلية بل يستغني عن الشعوب وسيادتها ويزرع حالة من اللا شرعية المتجذرة في صلب العقد الاجتماعي العربي، وتظل المقاومة هي المتغير الوحيد القادر على إحداث فرق في هذا المشهد السوداوي حيث يثبت التاريخ أن الترتيبات التي تتجاهل حقوق أصحاب الأرض مصيرها الانهيار مهما بلغت قوة القوى الداعمة لها أو حجم الضغوط الممارسة لفرضها.






