مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب: نقل معتقلي داعش إلى العراق بين الاختصاص وحقوق الضحايا

نقل معتقلي تنظيم داعش من سوريا إلى العراق: تحليل قانوني في ضوء الاختصاص والسيادة وحقوق الضحايا ومسارات التعويض الدولية

تُثير مسألة نقل معتقلي تنظيم داعش من شمال شرق سوريا إلى العراق إشكاليات قانونية عميقة تتجاوز البعد الإجرائي أو الأمني، وتمس جوهر الاختصاص القضائي الوطني، ومركزية الضحايا في العملية الجنائية، وإمكانية بناء مسار عدالة انتقالية حقيقي في سوريا. وتُظهر ورقة السياسات محل النقاش أن هذه الخطوة، وإن لم تُسقط الاختصاص السوري من الناحية النظرية، فإنها تُفرغه عمليًا من مضمونه التنفيذي وتنتج نموذجًا قضائيًا مبتورًا لا يُنصف الضحايا السوريين.

من الناحية القانونية، يقوم الاختصاص الجنائي السوري على مبدأ الإقليمية، وهو مبدأ مستقر في العرف الدولي ومكرّس في التشريعات الوطنية. فقد نصت المادة 15 من قانون العقوبات السوري على سريان القانون السوري على كل جريمة تُرتكب في الإقليم السوري، كما أكدت المادة 16 اختصاص القضاء السوري بالجرائم الواقعة ضمن هذا الإقليم. وبموجب هذا الإطار، فإن الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش في الرقة ودير الزور والحسكة تبقى خاضعة للاختصاص الأصيل للقضاء السوري، بصرف النظر عن جنسية الفاعلين.

غير أن الإشكال لا يكمن في ثبوت الاختصاص، بل في إمكانية ممارسته. إذ يرتبط تحريك الدعوى العامة، وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، بوجود المتهم ضمن الولاية القضائية أو بإمكانية إحضاره. ومع انتقال المتهمين إلى العراق، تفقد السلطات السورية السيطرة الفعلية عليهم، فيتحول الاختصاص من حق قابل للتنفيذ إلى حق نظري. والأخطر أن صدور أحكام نهائية عن القضاء العراقي يُفعّل مبدأ عدم جواز محاكمة الشخص مرتين عن الفعل ذاته، المنصوص عليه في المادة 14/7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ما قد يمنع لاحقًا إعادة محاكمتهم في سوريا حتى لو لم تُبحث الجرائم المرتكبة بحق السوريين تفصيلًا.

أما من حيث الإطار القانوني العراقي، فإن المحاكمات تستند أساسًا إلى قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005، ولا سيما المادة 2 منه، التي تُجرّم الانتماء إلى تنظيم إرهابي أو دعمه أو تنفيذ أعمال إرهابية. هذا البناء التشريعي يركّز على إثبات العضوية التنظيمية بوصفها أساس المسؤولية الجنائية، دون أن يُنشئ منظومة متكاملة لتكييف الجرائم الدولية كالجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب المرتكبة خارج الإقليم العراقي. وبما أن العراق ليس طرفًا في نظام روما الأساسي، ولم يُدرج هذه الجرائم في تشريعه بصورة منهجية، فإن الأفعال المرتكبة في سوريا لا تُفحص ضمن سياقها الدولي الكامل، بل تُختزل في توصيف “الانتماء”، ما يُنتج إدانة قانونية دون تثبيت شامل للحقيقة القضائية.

هذا الاختزال ينعكس مباشرة على وضع الضحايا السوريين. فقد أقر إعلان الأمم المتحدة بشأن مبادئ العدالة لضحايا الجريمة وإساءة استعمال السلطة لعام 1985 بحق الضحايا في الوصول إلى العدالة، والمشاركة في الإجراءات، والحصول على التعويض وجبر الضرر. كما كرّس العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته الثانية التزام الدول بتوفير سبل انتصاف فعالة لكل من انتهكت حقوقه. إلا أن نقل المحاكمات إلى العراق يُقصي الضحايا السوريين من المشاركة الفعلية، فلا يُعترف بهم كأطراف مدنية، ولا يُتاح لهم تقديم مطالبات بالتعويض، ولا تُتاح لهم فرصة عرض رواياتهم أمام القضاء. وهكذا تتحول المحاكمة إلى مسار عقابي منفصل عن الضحايا، يحقق الردع دون الاعتراف، ويصدر الأحكام دون جبر الضرر.

وإذا ما نُظر إلى المسألة في إطار العدالة الانتقالية، فإن إخراج ملف جرائم داعش من السياق القضائي السوري يُضعف أي إمكانية مستقبلية لبناء سجل وطني شامل للانتهاكات. فالعدالة الانتقالية، وفق تعريف الأمم المتحدة، تشمل المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار. وعندما يُفصل عنصر المحاسبة عن بيئته الوطنية، وتُغلق الملفات بأحكام لا تتناول الجرائم المرتكبة بحق المجتمع المحلي تفصيلًا، فإن ذلك يُقوّض الركيزة الأساسية لأي مسار إصلاحي لاحق.

أما في ما يتعلق بالتعويض وتحمل الدول لمسؤولياتها، فإن القانون الدولي العام يقر بمسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة دوليًا، كما ورد في المواد 1 و2 و31 من مشروع مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا. صحيح أن هذه المسؤولية تُثار تقليديًا في سياق أفعال الدولة ذاتها، غير أن ثمة اتجاهًا متزايدًا في الفقه الدولي يربط بين إخفاق الدولة في منع أو ملاحقة الجرائم الخطيرة الصادرة عن رعاياها وبين مسؤوليتها الدولية، لا سيما في حال العلم المسبق أو التقصير الجسيم.

التجارب الدولية تقدم نماذج يمكن الاسترشاد بها. ففي قضية لوكربي، التي انتهت بتسوية بين ليبيا وأسر الضحايا، لم تتحقق التعويضات عبر حكم قضائي دولي ملزم، بل عبر مسار سياسي–قانوني مركب شمل قرارات من مجلس الأمن الدولي وضغوطًا وعقوبات انتهت باتفاق تعويض. كما أن إنشاء لجنة الأمم المتحدة للتعويضات عقب غزو الكويت شكّل سابقة في إدارة مطالبات تعويض جماعية خارج الإطار القضائي التقليدي، حيث أُنشئ صندوق لتعويض المتضررين من خلال آلية دولية شبه قضائية.

وفي السياق الأوروبي، اعتمدت عدة دول مبدأ الولاية القضائية العالمية لمحاكمة جرائم ارتُكبت في سوريا، كما فعلت المحاكم الألمانية استنادًا إلى قانون الجرائم ضد القانون الدولي (VStGB)، ما يفتح الباب نظريًا أمام مطالبات مدنية مرافقة للأحكام الجنائية. ويمكن، في إطار سياسي–حقوقي أوسع، الدفع نحو إنشاء صناديق جبر ضرر تمولها الدول التي يحمل الجناة جنسيتها، ليس بوصفها اعترافًا قانونيًا مباشرًا بالمسؤولية، بل باعتبارها مساهمة في إعادة الإعمار ودعم الضحايا، على غرار ما جرى في تسويات دولية سابقة.

إن تحميل الدول الأوروبية مسؤولياتها لا يقتصر على استعادة رعاياها ومحاكمتهم، بل يمتد إلى واجب التعاون الدولي في جبر الضرر، استنادًا إلى مبدأ التضامن الدولي في مواجهة الجرائم الخطيرة، وإلى التزاماتها بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي تُلزم الدول بضمان سبل انتصاف فعالة. ويمكن تطوير خطاب قانوني يربط بين إدانة مواطني تلك الدول في العراق أو أوروبا وبين ضرورة مساهمة حكوماتهم في صناديق دعم الضحايا السوريين، بما يشمل التعويض المادي والدعم النفسي وإعادة الإعمار.

في ضوء ما تقدم، فإن المطالبة بمحاكمة المتهمين في دمشق ليست موقفًا سياسيًا مجردًا، بل استحقاقًا قانونيًا يستند إلى مبدأ الإقليمية وحق الدولة في ممارسة ولايتها القضائية كاملة. كما أن الامتناع عن التعاون الذي يؤدي إلى تثبيت أحكام نهائية تُغلق باب المحاسبة الوطنية يُعد دفاعًا عن حق الضحايا في العدالة الكاملة. إن العدالة التي تُمارس خارج سياقها الوطني، دون مشاركة الضحايا ودون ربطها بجبر الضرر، تبقى ناقصة الأثر، وتُهدد بإعادة إنتاج الإحساس بالإفلات من العقاب في صورة قانونية جديدة.

وعليه، فإن أي مقاربة مسؤولة لهذا الملف يجب أن تنطلق من تثبيت الاختصاص السوري، والمطالبة بمحاكمات وطنية شاملة، والعمل بالتوازي على مسارات دولية للضغط باتجاه مساهمة الدول الأوروبية في جبر الضرر، بحيث لا تتحول إدانة الجناة إلى نهاية المسار، بل إلى نقطة انطلاق نحو إنصاف الضحايا السوريين بصورة فعلية وشاملة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى