
يواجه الملايين من أصحاب الدخول المتوسطة والمنظومة العمالية تحديات اقتصادية قاسية مع اقتراب الشهر المبارك ، حيث تلتهم تضخم أسعار الغذاء النصيب الأكبر من الرواتب الشهرية وتجبر العائلات على اتباع سياسات تقشفية صارمة ، وتكشف البيانات الميدانية أن تكلفة الوجبات الرمضانية الأساسية لم تعد تتناسب مع القدرة الشرائية الحالية ، مما دفع الكثيرين لإعادة ترتيب أولوياتهم الاستهلاكية بشكل جذري للبقاء ضمن حدود الميزانيات المتاحة ، وتظل معضلة الموازنة بين الدخل المحدود والاحتياجات الغذائية المتزايدة هي الشاغل الأكبر للأسر المصرية في هذه الآونة ، التي تعاني من ضغوط معيشية غير مسبوقة تسببت فيها قفزات تضخم أسعار الغذاء المتلاحقة.
تبذل سناء عمر جهودا مضنية لاقتطاع أكثر من نصف دخل أسرتها الشهري لتوفير وجبات الإفطار طوال شهر رمضان ، وتؤكد أن المبالغ المرصودة تبدو هشة للغاية أمام موجات الغلاء التي تضرب الأسواق المحلية حاليا ، وتعتمد عائلتها المكونة من خمسة أفراد والمقيمة في منطقة عزبة الهجانة بمدينة نصر على دخل شهري للأب يصل إلى 15 ألف جنيه ، ويذهب نحو 2500 جنيه للإيجار وألف جنيه للفواتير الدورية و3 آلاف للمواصلات والتعليم والأدوية ، بينما يتبقى حوالي 7 آلاف جنيه لبند الطعام والشراب ، وهو مبلغ كان يوفر حياة جيدة قبل سنوات لكن تضخم أسعار الغذاء جعله بالكاد يغطي الاحتياجات الدنيا.
تآكل الرواتب وتحديات توفير البروتين الحيواني
يقدر علي يوسف وهو محاسب يعول أربعة أفراد أن مصروفات الغذاء في رمضان ترتفع بنسبة تصل إلى 20% عن الشهور العادية ، ويسدد يوسف قسطا شهريا لشقة الإسكان الاجتماعي في مدينة حدائق العاصمة بقيمة 1500 جنيه من راتبه البالغ 10 آلاف جنيه ، ويوزع المتبقي بين الفواتير والمواصلات ومصاريف التعليم ولا يتبقى للطعام إلا 5 آلاف جنيه تزيد استثنائيا في رمضان ، وتضطر الأسرة لتقليل استهلاك اللحوم لتتراوح تكلفة الإفطار اليومي بين 120 و140 جنيها ، بينما تبلغ تكلفة السحور المكون من الفول والبيض والزبادي نحو 1500 جنيه شهريا ، رغم محاولات الترشيد عبر الشراء من منافذ التموين ومعارض أهلا رمضان التي تقدم تخفيضات بين 15 و25%.
تستعيد عفاف محمد وهي أرملة تقطن في قرية الرغامة بأسوان ذكريات ما قبل موجة تضخم أسعار الغذاء الأخيرة ، وتوضح أن معاش زوجها البالغ 10 آلاف جنيه كان يكفي احتياجات ابنتيها وزيادة في الماضي القريب ، وتؤكد أن وصول سعر كيلو اللحمة إلى 400 جنيه وكيلو الدواجن إلى 90 جنيها دفعها لتقليل الكميات والاعتماد على البقوليات والخضروات ، واستغنت الأسرة عن الكثير من السلع غير الأساسية كما تقلصت مشتريات ياميش رمضان والمكسرات بسبب ارتفاع أثمانها ، مما يعكس حالة الانكماش في نمط الاستهلاك الغذائي لدى الأسر التي كانت تصنف ضمن الطبقة المستورة وتحولت بفعل الغلاء إلى دائرة الاحتياج.
فجوة الدخل والاحتياجات الأساسية في المناطق الشعبية
يعمل عبد الواحد محمود عامل نظافة ويعول خمسة أفراد بدخل شهري لا يتجاوز 5 آلاف جنيه في شقة صغيرة ، ويدفع 700 جنيه للإيجار ومثلها للتنقل ويخصص 3600 جنيه لبند الغذاء الذي يستنفد الميزانية بالكامل ، ويشير إلى اعتماده الكبير على الصدقات وموائد الرحمن لتجاوز الشهر الكريم وتوفير الطعام لأبنائه في ظل الظروف الصعبة ، ويشتري عبد الواحد مستلزمات الشهر دفعة واحدة ومنها طبقين بيض ب 300 جنيه وأربع دجاجات ب 800 جنيه ، وتساعده الوجبات والمساعدات الخيرية في سد الفجوة الكبيرة بين دخله وتكاليف المعيشة ، خاصة أن تضخم أسعار الغذاء جعل شراء اللحوم والأرز والبقوليات عبئا يفوق طاقته المادية المتواضعة.
يرى عبد المنعم السيد مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية أن التقشف الرمضاني أصبح سمة عابرة لغالبية الطبقات الاجتماعية ، ويؤكد أن الأسر المصرية تخلت عن السلع الكمالية واكتفت بالاحتياجات الضرورية مع البحث عن بدائل منخفضة التكلفة ، ويشدد السيد على ضرورة معالجة الفجوة المتسعة بين الأجور والأسعار لضمان قدرة الرواتب على تلبية المتطلبات الأساسية ، وتظل مائدة رمضان عبئا اقتصاديا ثقيلا خاصة مع استمرار تضخم أسعار الغذاء عند مستويات مرتفعة تؤثر على جودة التغذية ، ويتطلب الوضع الراهن سياسات نقدية ومالية عاجلة لاحتواء الضغوط التضخمية التي تلاحق المواطنين في احتياجاتهم اليومية ومواسمهم الدينية التقليدية.







