تعديلات قانون التصالح في مخالفات البناء تفشل في حسم ملف التعديات العقارية

يواجه قانون التصالح في مخالفات البناء أزمات تنفيذية حادة تعيق تنظيم حركة العمران وتمنع القضاء على العشوائيات، حيث تسبب تعثر تطبيق النصوص التشريعية في استنزاف الموارد المالية للمواطنين تحت مسميات الرسوم والضرائب المتعددة، ورغم صدور القانون وتعديله لم ينجح في إنهاء التجاوزات العقارية بل أثار حالة من الجدل الواسع نتيجة تعقيد الإجراءات الإدارية وتضارب القرارات الرسمية وغياب الرؤية الواضحة لدى الجهات التنفيذية المنوط بها تطبيق القواعد الجديدة على أرض الواقع، وصار قانون التصالح في مخالفات البناء عبئا يثقل كاهل الأسر المصرية بدل كونه حلا جذريا للأزمة العقارية القائمة منذ عقود طويلة.
سجل قانون التصالح في مخالفات البناء ثلاث محطات تشريعية رئيسية بدأت بالصدور الأول عام 2019 عبر القانون رقم 17، ثم جرى إدخال تعديلات جوهرية عليه في عام 2020 بموجب القانون رقم 1، وذلك بعد ظهور أزمات تقنية واسعة حالت دون استكمال ملفات المتقدمين، وفي عام 2023 تم طرح نسخة جديدة حملت رقم 187 لسنة 2023 لمحاولة تدارك الإخفاقات السابقة، ومع ذلك ظل الفشل هو القاسم المشترك بين جميع هذه المراحل التشريعية نتيجة التركيز على تغيير النصوص القانونية دون إصلاح آليات التنفيذ الميدانية في المحليات، وهو ما أدى لاستمرار الأزمة وتفاقم التعديات دون تقنين حقيقي للوضع القائم.
معوقات التنفيذ في المحليات وهيئة المجتمعات العمرانية
تفتقر مؤشرات قياس الأثر الفعلي لتطبيق قانون التصالح في مخالفات البناء إلى القوة المطلوبة لتحقيق نتائج ملموسة داخل هيئة المجتمعات العمرانية والمحليات، إذ تشير البيانات الفنية إلى أن الدولة تركز جهودها حاليا على مسارات بديلة مثل مشروعات الإسكان الاجتماعي ومبادرات حياة كريمة، مما جعل ملف تقنين المخالفات يتراجع في قائمة الأولويات الخدمية الملحة، ويؤدي هذا التراجع إلى بقاء ملايين الوحدات السكنية في وضع غير قانوني، ويمنع الدولة من تحصيل مستحقاتها المالية المقررة، كما يعيق المواطنين عن استكمال أعمال البناء أو الحصول على المرافق الأساسية بشكل رسمي وقانوني سليم.
تتواصل الانتقادات الموجهة لآلية التعامل مع ملفات المواطنين بسبب غياب البيانات الدقيقة حول حجم المشكلة الفعلي وعدد الحالات المتأثرة بها، مما أدى إلى حالة من التيه التنظيمي وصدور قرارات لا تعكس الواقع الميداني، ويستوجب أي تحرك تشريعي جديد الاستناد إلى أرقام حقيقية بعيدا عن التقديرات الجزافية التي تسببت في تعميق أزمة الثقة بين المواطن والجهات الإدارية، وتعد أزمة النماذج الورقية من أكبر المعوقات التي تواجه مسار التقنين، حيث تسببت الشروط التعجيزية في تعطيل مصالح الملايين من أصحاب العقارات المخالفة الذين يسعون لتسوية أوضاعهم المالية والقانونية وفق الضوابط المعلنة.
أزمة النماذج الورقية ومعضلة التصالح على الجراجات
تظهر الإحصائيات الرسمية خللا كبيرا في توزيع النماذج القانونية حيث لم يحصل سوى 3% فقط من المتقدمين على نموذج 10 القديم اللازم لاستكمال أعمال صب السقف، بينما تظل ملفات 97% من المواطنين عالقة في دواليب البيروقراطية دون حلول عملية، وهذا التعثر يجهض أي حديث عن نجاح التشريع أو قابليته للتطبيق الفعلي، كما ترفض بعض الجهات استكمال الإجراءات لحالات تمتلك بالفعل نماذج رسمية، مما يضطر أصحابها لمخاطبة المسؤولين بشكل فردي، وهو أمر يتنافى مع مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص الذي يجب أن يوفره القانون لجميع المواطنين دون تمييز أو وساطة.
ينتقد الخبراء التناقض الصارخ في ملف التصالح على الجراجات حيث يمنح النص القانوني الحق في التقنين بينما يتم المنع الفعلي أثناء التنفيذ دون تقديم تفسيرات واضحة، ويفتح هذا التباين الباب أمام اجتهادات شخصية متباينة بين المحافظات والأحياء السكنية المختلفة، مما يزيد من تعقيد المشهد العقاري ويحرم الدولة من مبالغ مالية ضخمة كانت ستنعكس إيجابا على الموازنة العامة، ويظل قانون التصالح في مخالفات البناء بحاجة إلى إرادة تنفيذية حقيقية تتجاوز مجرد صياغة النصوص الورقية لتصل إلى حلول تقنية تنهي معاناة الملايين وتغلق هذا الملف الشائك بشكل نهائي يضمن حقوق الجميع.







