ماهر المذيوب يكتب: مأدبة الشيخ راشد حفظه الله

لستُ غنيًّا، ولستُ أكولًا، ولكنّي تربّيتُ في بيت عزّ.
أبي، عبد الجليل المذيوب، كان فقيرًا، لكن قضيته خيرٌ من قضية دار الوالي آنذاك.
وأمي، لطيف حسين الكسيبي، من خيرة نساء الكون خلقًا وأخلاقًا، طيبةُ نفسٍ، وزكيّةُ الرائحة، لا تزال رائحة طعامها تسكن الذاكرة والوجدان. عشت في دولٍ عدة، من أعلى دول العالم إيراداتٍ ورواتبَ وعلاواتٍ وحوافز، وعشتُ في أفضل الفنادق والمطاعم…ولا شكّ أن رائحة طعام الوالدة يُعلى ولا يُعلى عليه أبدًا
إلا أنّ الذاكرة والذائقة تحتفظان للضيافة ومأدبة مكتب الشيخ راشد الغنوشي
وبيته العامر، بأجمل الانطباعات، وأسمى معاني الخُلق الكريم والذوق الرفيع.
كرم الشيخ راشد الغنوشي
لا شك أن راشد الغنوشي يُعدّ من أبرز المفكرين المسلمين المعاصرين تأصيلًا وتجديدًا ومعاصرةً.
وهو رجل دولة رفيع، وزعيم سياسي بارز، له بصماته التاريخية في تاريخ تونس المعاصر.
حكى لي كثيرون عن الصلاة وقيام الليل معه،
وآخرون عن السفر بصحبته…
لكن من الأشياء البارزة في حياته:
كرمه مع أهله وناسه وضيوفه الكرام.
فالشيخ راشد الغنوشي يحرص حرصًا شديدًا على أن يقوم مكتبه على ضيافة ضيوفه في أفضل وجه:
ماء معدني في الزجاج
قهوة أو شاي
الحلو التونسي
مهما كان الضيف، أو المكان، أو الزمان.
الشيخ كريم ابن كريم، نفسٌ مسلم، ومنتجات تونسية 100٪
فجميع هداياه للضيوف — بل لكبار الضيوف في العالم —
كانت منتجات مختارة من الصناعات التقليدية التونسية،
وأحيانًا زجاجة من زيت الزيتون،
أو علبة فاخرة من دقلة النور الممتازة.
وأشير هنا — عرضًا لا حصرًا —
أنه كان في كل موسم يسعى لدى أصدقاء تونس في العالم للترويج لزيت الزيتون والدقلة،
بما في ذلك في منتدى المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس.
وسنأتي على هذه النقطة بالتفصيل في تدوينة قادمة.
كراهية الإسراف والمسرفين
الشيخ راشد الغنوشي، في حياته ولباسه ومأكله ومصروفه،
متوازنٌ معتدل.
كريمٌ إلى حدّ النخاع،
لكنه يكره ويمقت الإسراف والمسرفين إلى حدّ كبير.
وكان يدعو دائمًا وأبدًا إلى حفظ النعمة،
في البيت،
وفي الشارع،
وفي الكتلة،
وفي الحزب،
كأسلوب حياة، وعقيدة مسلم.
عيش تونسي
هذه ليست كلمات دعائية،
ولا منشورًا ترويجيًا،
ولا دعاية فجة.
فالرجل في ظلمات المعتقل منذ أكثر من 1000 يوم،
ويعاني أشد أنواع الظلم جورًا في هذا السنّ.
لكنني لم أرَ رجل سياسة تونسيًا،
مثل الشيخ راشد الغنوشي،
يؤمن بالمنتجات التونسية و”عيش تونسي”.
العطر،
زيت الزيتون،
دقلة النور،
الحلو التونسي من عند مدام مصمودي،
مائدته — كأي بيت تونسي متوسط الحال —
حتى عند تقديم الطعام لأعلى الشخصيات في العالم:
الشربة التونسية
لسان عصفور أو شربة فريك
السلطات بأنواعها (الخضراء، المشوية، أمك حورية)
كسكسي أو مكرونة
لحم أو سمك
القهوة والشاي
الحلويات التونسية — لا غير.
هذه المأدبة التونسية العريقة،
من طبخ وتهيئة أهله الكرام،
لا خدم،
ولا حشم،
ولا طلبات خارجية مخصوصة.
معنى التواضع الجمّ
عرفتُ بيت الشيخ راشد الغنوشي من 2014 إلى 2021،
وطاولة الطعام التقليدية لم تتغير،
ولا أطقم الصالة — كما هي.
رائحة البيت تفوح منها روائح العود والعنبر…
والهدوء والسكينة يخيمان على المكان.
إذا كنتَ ضيفًا على مائدة الشيخ،
فمقعدك على رأس الطاولة.
مشهدٌ مهيب.
وقد حاول كثيرٌ من كبار الضيوف — بلا جدوى —
إجلاس الشيخ مكانهم،
إلا أنه كان يرفض…
ويبجل الضيف.
والأهم من ذلك،
أن الشيخ راشد الغنوشي “يُحشّمك على روحك”،
حين كان — ولا يزال — يصرّ أن يغرف لضيوفه الطعام،
ويختار لهم أجمل ما في المائدة.
كان مشهدًا مدهشًا… حقيقةً.
خاصةً لرجل في هذا السنّ.
حفظه الله.
مأدبة “النفرات مسكين”
مأدبة الشيخ راشد الغنوشي في رمضان المبارك
هي — بلا منازع — مأدبة “النفرات مسكين”.
كل من كان ذا حاجة،
أو خارجًا من محنة،
أو تحدٍّ حياتي،
أو مرض…
كان يدعوه لمائدته في رمضان المبارك.
وتلك قصصٌ مبهجة من الكرم والضيافة والصحبة الصالحة، تستحق الوقوف عند معانيها في صفحات قادمة.







