تونس

صحيفة عبرية: هل يُهندس قيس سعيّد ولاية ثالثة

في رمال السياسة المتحركة في شمال إفريقيا، كانت تونس تُشاد بها ذات يوم باعتبارها قصة النجاح الوحيدة للربيع العربي. كانت الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، دولة نجحت في اجتياز الانتقال الخطير من الحكم الاستبدادي إلى تعددية هشة لكنها قائمة. غير أنه مع أفول شمس تلك التجربة الديمقراطية، يلوح ظل جديد وأكثر قتامة فوق المتوسط. فالمناخ السياسي الحالي يوحي بأن “الاستثناء التونسي” لم يتوقف فحسب، بل يجري تفكيكه بشكل منهجي لتمهيد الطريق أمام نظام يحمل كل سمات رئاسة دائمة.

وقد أطلق التيار الديمقراطي، أحد آخر المجموعات المعارضة العلمانية القادرة على التعبير العلني، ناقوس الخطر مؤخرًا. وكان تحذيره واضحًا: هناك نوايا داخل القصر لإعداد العدة لولاية ثالثة للرئيس قيس سعيّد. ورغم أن ولايته الحالية ما تزال أمامها سنوات، فإن البنية اللازمة لتمديدها يجري بناؤها بالفعل. وليس الأمر مجرد تكهنات سياسية، بل قراءة لعملية تفريغ مؤسساتي متعمد تهدف إلى ضمان أن يصبح الرئيس الحالي الخيار الوحيد القابل للحياة لمستقبل البلاد.

الأداة الرئيسية في هذا المشروع تكمن في الفراغ الاستراتيجي في قلب الدولة التونسية. فعلى الرغم من الوعود التي رافقت صياغة الدستور الأخير، لا تزال البلاد دون محكمة دستورية فاعلة. وفي أي جمهورية، تمثل هذه المحكمة الحكم النهائي في تفسير القانون والجهة الوحيدة المخولة لردع تجاوزات السلطة التنفيذية. ومن خلال إبقاء هذه المؤسسة في حالة تعطيل دائم، ضمنت الرئاسة غياب أي سلطة قانونية قادرة على تفسير حدود الولايات أو الطعن في شرعية المراسيم الانتخابية المستقبلية. وعندما يغيب حارس الدستور، يصبح الرئيس هو الدستور نفسه.

إضافة إلى ذلك، فإن الوثيقة التي حلت محل الدستور الديمقراطي توفر منفذًا ملائمًا عبر بند “الخطر الداهم”. هذا البند يتيح للرئيس اتخاذ إجراءات استثنائية في مواجهة تهديدات لاستقلال الدولة أو أمنها. وفي مناخ تُصوَّر فيه كل أزمة اقتصادية كمؤامرة خارجية، وكل نقد داخلي كتهديد لأمن الدولة، يصبح تعريف “الخطر الداهم” مرنًا بشكل خطير. وهو ما يوفر مبررًا جاهزًا لتعليق حدود الولايات أو تأجيل الانتقال السياسي تحت شعار الحفاظ على الوطن.

وقد ساهمت الحملة القضائية الأخيرة في إفراغ الساحة من أي منافسين محتملين. إذ شهدت شخصيات معارضة بارزة وسياسيون مخضرمون تثبيت أحكامهم بالسجن، بل وزيادتها بشكل ملحوظ في محاكمات الاستئناف. ومن خلال إقصاء قيادات الحركات السياسية الكبرى — من الإسلاميين إلى الليبراليين — تحولت الساحة السياسية إلى صحراء. وعندما يواجه أبرز أصوات المعارضة عقودًا خلف القضبان بتهم وصفها مراقبون دوليون في مجال حقوق الإنسان بأنها ذات دوافع سياسية، يصبح الحديث عن انتخابات تنافسية ضربًا من العبث. والرسالة الموجهة للتونسيين واضحة: لا بديل، وأي محاولة لصنع بديل تُعد جريمة.

هذا السعي نحو الديمومة يتغذى أيضًا على خطاب أزمة دائمة. فبدل معالجة التحديات الاقتصادية الهيكلية التي أثقلت كاهل المواطنين بالتضخم ونقص المواد، تحوّل الخطاب الرسمي إلى البحث عن شماعات. فالكوارث الطبيعية الأخيرة وأعطال البنية التحتية لم تعد تُطرح كتحديات إدارية، بل كأدلة على شبكة فساد واسعة ومتجذرة لا يستطيع تفكيكها سوى الرئيس. ومن خلال الإبقاء على حالة تعبئة دائمة ضد “أعداء” غير مرئيين، تخلق الرئاسة مناخًا نفسيًا يُساوى فيه بين تغيير القيادة والاستسلام للفوضى.

أما بالنسبة للمجتمع الدولي، وخاصة الأطراف المعنية باستقرار الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإن تداعيات ولاية ثالثة محتملة عميقة. فتونس التي تنزلق نحو حكم دائم ليست شريكًا أكثر استقرارًا، بل أكثر هشاشة. فبنية السلطة التي تعتمد كليًا على بقاء فرد واحد عرضة بطبيعتها لانهيار مفاجئ وعنيف. كما أن تآكل سيادة القانون وإسكات الهيئات الوسيطة مثل النقابات والأحزاب يزيل صمامات الأمان التي تمنع عادة الانفجارات الاجتماعية.

المسار يبدو واضحًا. فالانتقال من “توقف تصحيحي” في المسار الديمقراطي إلى رئاسة مدى الحياة يُدار عبر مزيج من الإهمال المؤسسي والترهيب القضائي. وقد بدأت الدعوات إلى ولاية ثالثة تخرج من هوامش الفضاء الرقمي إلى صلب النقاش العام، كاختبار تمهيدي لتكريس حكم الرجل الواحد. وما لم يحدث تحول ملموس في الإرادة السياسية داخليًا، أو ضغط أكثر تماسكًا من الفاعلين الدوليين، فإن شفق الديمقراطية في تونس سيقود إلى ليل طويل ومظلم من الاستبداد. لقد التقى الاستثناء بالقاعدة أخيرًا، وكانت النتيجة عودة إلى الماضي ذاته الذي خاطر التونسيون بكل شيء للهروب منه.

المصدر: تايمز أوف إسرائيل

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى