الخلافات بين الإمارات والسعودية ومساعي السيطرة على النفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط

تتصاعد حدة التنافس الجيوسياسي في المنطقة مع بروز تباين واضح في الرؤى السياسية والأمنية مما أدى إلى تفاقم الخلافات بين الإمارات والسعودية حول ملفات إقليمية شائكة، ويسلط الباحث كريستيان أولريكسن الضوء على هذا الصراع الذي يمزج بين الطموحات الاقتصادية والهواجس الأمنية في قارة أفريقيا والوطن العربي، حيث تتبنى أبوظبي استراتيجية تعتمد على تقويض الحركات الإسلامية وتوسيع الاستثمارات في الطاقة والبنية التحتية، بينما تنتهج الرياض مسارا أكثر براجماتية في التعامل مع القوى المحلية لضمان استقرار نفوذها التاريخي ومكانتها الدينية والسياسية في العالم الإسلامي.
يحلل الباحث كريستيان أولريكسن التوجهات الإماراتية التي تزامنت مع مرحلة ما بعد الحراك العربي حيث تبنت الدولة موقفا حادا وصارما تجاه الجماعات الدينية والسياسية في ليبيا ومصر وتركيا، ونتج عن هذا التوجه دعم قوى سلطوية في شرق ليبيا لمواجهة تيارات مدعومة من خصومها مما أوجد شبكة نفوذ تمتد إلى تشاد والسودان، وتترابط هذه التحركات الأمنية مع صفقات اقتصادية ضخمة يقودها مسؤولون رفيعو المستوى مثل طحنون بن زايد الذي يجمع بين إدارة ملفات الأمن القومي وإدارة كبرى المجموعات الاستثمارية في البلاد لتعزيز الحضور الإماراتي.
تظهر السعودية في المقابل بمرونة أكبر في إدارة الأزمات كما يتضح في الملف اليمني حيث أبدت الرياض استعدادا للتنسيق مع فصائل محلية ترفضها أبوظبي تماما بسبب سياسة صفر تسامح التي يتبعها محمد بن زايد، ويرجع هذا الاختلاف الجوهري إلى تقدير المخاطر حيث يرى الجانب الإماراتي أن التنظيمات الإسلامية تمتلك القدرة على التحول إلى معارضة سياسية منظمة تهدد استقرار الأنظمة، بينما يركز محمد بن سلمان على موازنة الضغوط الداخلية والحفاظ على دور المملكة كقائد للعالمين العربي والإسلامي وحاضنة للحرمين الشريفين في مكة والمدينة.
يتناول التقرير طبيعة التنافس حول ملفات التطبيع حيث استغلت الدعاية السياسية تقارب أبوظبي مع الكيان لتضخيم الفجوة رغم أن الرياض كانت تخوض مفاوضات متقدمة بوساطة أمريكية قبل أحداث غزة، وصرح محمد بن سلمان في مقابلة رسمية مع فوكس نيوز بأن الاتفاق المرتقب قد يكون الأضخم منذ نهاية الحرب الباردة لكن التطورات الميدانية رفعت التكلفة السياسية وجعلت المملكة أكثر ترويا، وتوضح استطلاعات الرأي وجود حساسية شعبية سعودية تجاه هذا الملف مما دفع صانعي القرار لربط أي خطوة مستقبلية بتحقيق مكاسب سياسية أكبر تضمن القبول الداخلي.
تتزايد التوترات في اليمن منذ عام 2023 بسبب تباين الأهداف بين الحليفين السابقين حيث يرى الجانب السعودي أن تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا تهدد توازن القوى الهش والمستقر حاليا، ويحتدم الجدل حول كواليس زيارة محمد بن سلمان للبيت الأبيض في نوفمبر وما تبعها من مطالبات بفرض عقوبات على قوات الدعم السريع في السودان مما اعتبره البعض هجوما غير مباشر، وتسعى كل عاصمة لفرض روايتها الخاصة أمام إدارة ترامب لضمان التفوق السياسي واستقطاب الدعم الدولي لمواقفها المتعارضة في ملفات النفط والأمن والملاحة الدولية.
تؤكد المعطيات الجيوسياسية أن حادثة جمال خاشقجي عام 2018 تسببت في إبطاء الاندفاع السعودي نحو الغرب وأثرت على صورة محمد بن سلمان الدولية لفترة وجيزة قبل أن تعيده أزمة الطاقة العالمية للمشهد، وأدركت القوى الغربية وعلى رأسها بايدن ضرورة التعامل مع المملكة كلاعب محوري في سوق النفط العالمي خاصة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وفي ذات السياق تلاشت رواية المعلم والتلميذ بين محمد بن زايد ومحمد بن سلمان مع بروز طموحات القيادة السعودية الشابة التي ترفض التراجع أو التبعية في ظل التنافس المكتوم على الزعامة الإقليمية.







