زيارة أردوغان لإثيوبيا.. شراكة اقتصادية أم طموح جيوسياسي في القرن الإفريقي؟

في العلاقات الدولية، لا تتشكل التحالفات عادةً على القيم المشتركة، بل على تصورات مشتركة للتهديدات القائمة ومع ذلك، فإن طريقة إدراك هذه التهديدات لا تقل أهمية في تحديد طبيعة العلاقات واستمرارها ورسم حدودها فيما هو ممكن ومتاح لعقد شراكة أو تعاون، إذ إن الظروف الجيوسياسية غير مستقرة وتتقلب بتقلب المصالح وخلافات الدول المحيطة، وهذا ما يضعه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبالة سعيه نحو تشكيل تحالفات جديدة أو لعب أدوار في حلحلة ملفات شائكة لكسب نقاط سياسية على الصعيد التكتيكي ومن ثم الاستراتيجي، بهدف ضمان موضع قدم دائم في رقع جغرافية مشتعلة لم تعتد على الوجود التركي.
جاءت زيارة أردوغان الأخيرة إلى إثيوبيا لترتيب الأدوار على رقعة شطرنج المصالح، فليس من مصلحة الأتراك في الوقت الحالي بعثرة الأدوار أو خلط الأوراق وترك زمام الأمور بيد إسرائيل لسد الفجوات التي قد تنتج عن الخلافات السياسية والاقتصادية بين الدول، لكنه في الوقت ذاته لا تخلو تحركاته من البحث عن نفوذ في البحر الأحمر ومضيق باب المندب يكن له فيه كلمة مرور نحو تحقيق المصالح الاقتصادية والتفاهمات السياسية، وكبح جماح أزمات محتملة قد تضر بالمصالح التركية إن اتسعت وتمددت.
تهدف إثيوبيا، التي تستقبل نحو 90% من تجارتها الخارجية عبر جيبوتي، إلى تقليل اعتمادها الهيكلي على جيبوتي، وإلى الوصول إلى البحار من خلال إقامة علاقة فعلية جديدة مع الإمارات عبر أرض الصومال، فمنذ عام 2017، تتولى شركة موانئ دبي العالمية، إدارة ميناء بربرة في أرض الصومال، ويعد هذا الميناء الذي يُتيح الوصول إلى مضيق باب المندب، عنصرًا استراتيجيًا في طريق التجارة بين آسيا وأوروبا، ويستضيف نحو 12% من حجم التجارة العالمية (حوالي 5 تريليونات دولار أمريكي)، كما أن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في 26 ديسمبر 2025، لا ينفصل عن الأهمية الإقليمية والعالمية لهذا الطريق البحري، اعتراف بشرعية وجود لأرض الصومال تتبعها شرعية تحكم في الميناء واستخدامه كورقة ضغط لاستعماله إثيوبيا من ناحية والضغط على خصومها من ناحية أخرى.
دعت تركيا إلى اتفاق إقليمي سلمي بشأن الأزمة الصومالية بعد الاتفاق الموقع بين إثيوبيا وأرض الصومال في يناير/كانون الثاني 2024، والمعروف علنًا باسم “بروتوكول إثيوبيا-أرض الصومال “، الذي ينص على الاعتراف بأرض الصومال كدولة مقابل منح البحرية الإثيوبية 20 كيلومترًا من الممرات البحرية، وهذا ما يتعارض مع النظام الوحدوي للصومال وسياسة الدولة الواحدة التي تنتهجها تركيا في الصومال، وقد أطلقت تركيا عملية وساطة في أنقرة لحل القضية عبر الحوار، وهي مبادرة تُوّجت بـ “إعلان أنقرة الإثيوبي الصومالي” الموقع في 12 ديسمبر/كانون الأول 2024، وتُعتبر زيارة أردوغان إلى إثيوبيا خطوة استباقية تحسباً لانفتاح دبلوماسي محتمل من جانب إثيوبيا تجاه أرض الصومال، فالموقف التركي في هذا الصدد هو عدم إمكان تحقيق هذا الهدف إلا من خلال توافق إقليمي، وليس من خلال فرض أمر واقع من جانب واحد، وتكتسب الزيارة أهمية خاصة لأنها تتزامن تحديدًا مع فترة إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية الإقليمية.
القرن الإفريقي يشكل أهمية استراتيجية في العالم، لمحوريته وحيويته في النظام العالمي، ولذا فهو يحظى باهتمام متزايد من القوى الكبرى، وتُدرك أنقرة أن الفجوات الاستراتيجية الناشئة في هذه البيئة المضطربة تُتيح مجالاً جديداً للمناورة للقوى المتوسطة، لذلك، ينبغي النظر إلى زيارة الرئيس أردوغان إلى إثيوبيا ليس فقط كخطوة دبلوماسية، بل أيضاً كجزء من رؤية أوسع لإعادة تعريف دور تركيا في حوض البحر الأحمر ومحور شرق المتوسط.
ويرى مراقبون أن زيارة الرئيس أردوغان إلى إثيوبيا تتجاوز العلاقات الثنائية بين أنقرة وأديس أبابا، إذ تندرج ضمن إطار إقليمي واستراتيجي أوسع، في إطار سعي تركيا لتعزيز وجودها في القرن الأفريقي، بما يشمل قضايا مثل الأمن البحري في البحر الأحمر، وتحقيق الاستقرار على طول الحدود السودانية والإريترية، والتوازن السياسي المحيط بالنزاعات الإقليمية كأزمة تيغراي وسد النهضة.
كما تتيح الزيارة لتركيا فرصة تعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي من خلال لعب دور أكثر فاعلية في مشاريع البنية التحتية والاستثمارات الصناعية في إثيوبيا، وعلى الصعيد الدبلوماسي، تمنح الزيارة أنقرة هامشاً للمناورة، ما يسمح لها بلعب دور الوسيط في التوترات بين الدول الأفريقية دون الانحياز لأي طرف، وبالتالي، تُظهر هذه الزيارة قدرة تركيا على توظيف علاقاتها الثنائية لتولي أدوار إقليمية متعددة الأوجه وتعزيز مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة
إعادة توازن
من جانبه قال نائب رئيس مركز حريات للدراسات الاستراتيجية إسلام الغمري إن الزيارة تأتي في سياق تحرك تركي أوسع لترسيخ الحضور في القرن الإفريقي، بوصفه إقليماً حيوياً في معادلات الأمن البحري والتنافس الدولي. ومن ثم، فإن قراءة الزيارة من زاوية سد النهضة وحده تبقى قراءة جزئية لا تعكس الصورة الكاملة.
وأضاف في تصريحات خاصة لموقع أخبار الغد أن التحرك التركي يعكس سعي أنقرة إلى إدارة شبكة علاقات متوازنة في منطقة تتقاطع فيها مصالح متعارضة. فبعد التحسن الملحوظ في العلاقات مع مصر، باتت تركيا أكثر حرصاً على تجنب أي تموضع يُفهم باعتباره انحيازاً في النزاع المائي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على شراكتها الاستراتيجية مع إثيوبيا.
وأوضح الغمري أن التعاون الدفاعي بين أنقرة وأديس أبابا – بما في ذلك توريد مسيّرات Bayraktar TB2 – عزز مستوى الثقة السياسية بين الطرفين، إلا أن تحويل ذلك إلى افتراض بقدرة ضغط مباشر في ملف السد قد يكون مبالغاً فيه. فإثيوبيا تتعامل مع المشروع باعتباره مسألة سيادة وطنية عليا، لا تخضع بسهولة لاعتبارات الحلفاء.
وختم تصريحاته بقوله: إن زيارة أردوغان لا تمثل تحولاً دراماتيكياً في معادلة سد النهضة، لكنها تعكس مسعى تركياً لإدارة توازن دقيق بين شراكات متوازية في بيئة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تبقى الكلمة الفصل في الأزمة بيد أطرافها المباشرين.







