
اصوات مختلفه تؤنس الأذن و تشرح القلب وتفتح البوم الذكريات تعاودني كل يوم منذ تركت عروس البحر الأبيض المتوسط ، تلك المدينة الجميلة الأسطوريّة والتى تأسست حاملة اسم مدينة الإسكندرية على يد الإسكندر الأكبر عام 331 قبل الميلاد، حيث وضع حجر الأساس لها في يناير من ذلك العام لتكون عاصمة لمصر ومركزاً حضارياً وثقافياً يونانياً يربط بين اليونان ومصر. بُنيت المدينة في موقع قرية قديمة تدعى راقودة على ساحل البحر الأبيض المتوسط وللان ورغم كل التطورات و الإمكانات فلم تحظ او تقدر اي دوله في العالم ان تاتي بمثلها .
صوت بحر الإسكندرية ورذاذ أمواجه ورائحته التى تحمل الكثير من المشاعر ، خاصة في الشتاء، تجربة ساحرة ومحبوبة، حيث تتلاطم الأمواج العالية وتتناثر القطرات مع نسمات الهواء المنعشة على الكورنيش. يمنح هذا المشهد الصاخب والحيوي شعوراً بالراحة والهدوء النفسي، ويفتح خلجات القلب على اشرعه الحب ويعتبر زيارة الكورنيش في الأجواء الغائمة قبل هطول المطر لحظات تحبس الأنفاس، وهي من أبرز معالم المدينة الشتوية، مليئة بالبهجة والرومانسية والسرور و الرغبة و الانتعاش .
يعد صوت ترام الإسكندرية (ترام الرمل) “صفارة” مميزة واهتزازات عجلاته الحديدية على القضبان القديمة عندما كان يمر امام منزلنا في منطقة ساباباشا وهو ارقى الأحياء الدبلوماسية جزءا أصيلاً من ذاكرة المدينة وصوتها اليومي لأكثر من 165 عاماً. هذا الصوت المميز يمثل حنيناً وشاهداً على تاريخ اجتماعي عريق، رغم توقف الخط مؤقتاً للتطوير.
ثم صوت بائع الجرائد على القهوة بجانب فندق سيسيل الذي بني العام 1929، وكان أول ملاكه الثري الألماني «ألبرت متزجر» الذي أسماه «سيسل» تيمنا باسم ابن له. حيث صممه المعماري الإيطالي «جوسيبي أليساندرو لوريا» المولود في المنصورة بمصر في العام 1888، حيث قام بتصميم المبنى على الطراز الفلورنسي الذي يميز المدينة. يصدح بقوة ” أهرام ، اخبار ، جمهورية ، المسا ، صباح الخير ، اخرساعه ، المصور ، ويكرر أهرام ، اخبار ، جمهوريه ” وكلها جرائد و مجلات مصرية . و بجانبه صوت البويهجي اي الشخص الذي يحمل صندوق خشبي صغير يضع عليه الانسان قدمه بالحذاء ليقوم بتلميعها ، وصوت البيسه او الكارته كما يسمونها وهي اداه معدنيه لتساعد في لبس الحذاء صنعتها بريطانيا وهو يدق بها صندوقا خشبيا ” لمعه يابيه ، قرشين صاغ ، لمعه يابيه “.
ومن الاصوات ايضا صوت القطار على خط الإسكندرية، خاصة قطارات أبو قير أو الخطوط الرئيسية (القاهرة-الإسكندرية)، يتميز بصفير التحذير الطويل عند التقاطعات، وضوضاء المحرك، وطقطقة العجلات على القضبان. تتنوع الأصوات بين صفير عالي الطبقة وهدير قوي، وتشمل أصواتاً مميزة ناتجة عن التآكل الميكانيكي واحتكاك العجلات بالمسار، وتتضمن أصوات صرير وهدير. و ياتي هنا صوت مدير المحطه في سيدي جابر مناديا ” القطار المجري ، قطار الإسكندرية القاهره و يتوقف في محطات دمنهور وطنطا و القليوبية و القاهره ” اما قطار الخامسة مساءا فالصوت الجهوري ” قطار الإسكندرية القاهرة ، قطار سريع مكيف لا يتوقف في المحطات ، على السادة الركاب الانتقال إلي رصيف رقم ثلاثه العربات واحد و اثنين و ثلاث في الامام و العربات من اربعه الي تسع في الخلف ” و ما ان ينهي النداء حتي نسمع صوت صفير عالي ليدخل القطار بشموخ الي المحطة . و بين المحطة و الاخرى يقفز بائع كتب مناديا حوّل العالم في ٨٠ يوم انيس منصور ، عوده الروح توفيق الحكيم ، سنه اولى سجن مصطفى امين ، لا انام احسان عبد القدوس ، فوا علينا بكره محمد السلماوي ، حوارات نجيب محفوظ ، اقراء سكينه السادات ، محمود السعدني ، د.يوسف القعيد وغيرهم و بين هذا الصوت يأتيك صوت بائع آخر سمسميه ، بندق ، لوز ، حلويات البلبيسي من السيد البدوي شيل لله ياسيد ثم صافرة القطار إيذانا بالمغادرة .
و من الأصوات ايضا علي شاطيء البحر ” فريسكا يابندق ” لنجد بائع يحمل صندوقا زجاجيا به انواعا مختلفه من الحلويات بقرش صاغ .
اما ستانلي و في موقف السيارات على البحر امام قصر سباهي نجد بائعا آخر ومعه مفتاح كوكاكولا وينادي و هو يحمل سطل ( جردل ) مليء بالثلج ستيلا يابيه ستيلا مشبره ( اي مثلجه ) ، سباتوس سباتوس ، و الستيلا التي كانت تاتي في زجاجات خضراء كبيره و عليها العلامه بالأصفر كانت هي الأكثر حظوه و لم تكن ممنوع شربها في الهواء الطلق او في السياره ، بينما سبيرو سباتس (Spiro Spathis) والذي هو المشروب المفضل للملك فاروق ملك مصر و السودان فهو أعرق مشروب غازي مصري، تأسس عام 1920 على يد اليوناني سبيرو سباتس في القاهرة، واشتهر تاريخياً بلقب “مشروب النحلة” (تم إطلاقه في الإسكندرية عبر معمل بشارع إفيروف). عاد بقوة مؤخراً كبديل محلي للمشروبات الأجنبية، ويتميز بنكهات طبيعية (ليمون، يوسفي، تفاح، أناناس، عنب، خوخ).
اما صوت الكمساري في ترام الإسكندرية فكانت صافرته دليل بداية تحرك القطار من المحطة او لإيقاف القطار و طيلة الرحلة بين المحطات يسير بين العربات مناديا ” تذاكر ورق ياحضرات ، ابونيه ( اي اشتراك مدفوع سلفا بالفرنسية ) ياساده ، تذاكر ورق ثم يقوم بالدق علي خشبة صغيره يحملها و يضع عليها التذاكر .
و ايضا صوت ساعي البريد والذي يطلق عليه البوسطجي حيث لم يكن هناك واتس اب و لا مسنجر و لا هوت ميل و لا مكتوب بل كلها رسايل عليها طوابع بريدية في مظاريف زرقاء طبع علي جوانبها اللون الازرق و الاخر شعار البريد يضعها في شنطة بنية اللون من ارقى انواع الجلد الطبيعي و هو يرتدي لباس ازرق بترولي عليه اسم ” بوسطة الإسكندرية “، و كنا نسعد لسماع صوته و نحن بانتظار رسائل العشق و الحب والغرام التى كانت تستغرق اسابيع وهو ينادي ” بوسطه ، بوسطه ياساده ” و كان يضع الرسائل في صناديق خشبية بكل فيلا او عمارة .
اما صوت معلقة الشاي و هي تطرق كاسات من الزجاج مع صوت القهوجي فكان ” اثنين شاي و صلحه وواحد قهوة تركي على كيفك “.
كانت للاسكندرية اصواتاً محببه و حياة لا تماثلها حياة في اي بلد آخر ، بلد امتاز بالعائلات اليونانية و الإيطالية و اللبنانية و اليهودية و الفرنسية و الليبية و الأرمينية وغيرها ، مدينة صغيرة قيل عنها ” إسكندرية ماريا ” ، لكنها بحجم العالم ثقافة و حضارة لايضاهيها احد ، وفي زمن لم يكن هناك دول وان وجدت بعض عواصم اخرى لكن اكثرها كان يخيم عليها الصمت و تفتقد الي يومنا هذا تلك الحضارة و الثقافة و الفنون ، و للأصوات المميزة والغنية والثرية وإسكندرية المدينة الساحرة بقية لا يمكن سردها في مقال او كتاب وحديث من القلب دون ان ننسي صوت والحان سيد درويش . و طبعا لا يمكن نسيان ما اتي من القاهره ومنها ” كلمتين وبس بصوت العملاق الفنان فؤاد المهندس التى كان يكتبها الصحفي الساخر احمد رجب وايضا همسات الليل و أشعار فاروق جويده باللغه العربية الفصحى على الراديو و على التلفزيون برنامج “عالم الحيوان” هو أحد أشهر البرامج الوثائقية الكلاسيكية في التليفزيون المصري، قدمه الإعلامي القدير الراحل محمود سلطان. ارتبط البرنامج بصوته المميز ومعلوماته الشيقة عن الحياة البرية، وصوت الدكتور مصطفى محمود في البرنامج المصري الذي كان يهدف إلى تناول العلم على الأسس الايمانية . اما صوت سباقات الأحصنة و المقامرة عليها في نادي سبورتنج الذي انشأه عمر طوسون فكان الحصان لورد في المقدمه يليه عباس ثم العليا ، ” لاست بد ” أي آخر مراهنه .
مدينة تحمل كل المتع و الاثاره و الثقافة و الحضارة و البيئة الاجتماعية التي تعيش في عمق أورده و شرايين كل من عشقها و نشاء بها .
[email protected]







