تطورات الاقتصاد المصري في ضوء اجتماع مجلس إدارة صندوق النقد الدولي المرتقب

يترقب المحللون والأسواق المالية بحذر شديد نتائج اجتماع مجلس إدارة صندوق النقد الدولي الذي تحدد موعده في الخامس والعشرين من فبراير الجاري ، حيث يناقش المجلس التنفيذي للمؤسسة الدولية المراجعات الدورية لبرنامج الإصلاح الهيكلي المصري تمهيدا لصرف شرائح تمويلية جديدة تصل قيمتها الإجمالية إلى نحو 2.7 مليار دولار ، ويمثل هذا المبلغ حصيلة دمج المراجعتين الخامسة والسادسة ضمن اتفاق التسهيل الائتماني الممدد بالإضافة إلى المراجعة الأولى لبرنامج المرونة والاستدامة المخصص لدعم التوجهات البيئية والاقتصادية طويلة الأمد ، ويأتي هذا التحرك بعد وصول بعثة الخبراء إلى اتفاق مبدئي مع السلطات المصرية في ديسمبر الماضي مما عزز فرص الحصول على السيولة الأجنبية المطلوبة لدعم الاحتياطي النقدي وتأمين الاحتياجات التمويلية العاجلة.
مسار القروض الدولية وتداعيات السياسات المالية الجديدة
يستعرض مجلس إدارة صندوق النقد الدولي خلال جلسته المقبلة مدى التزام الحكومة بالمعايير المتفق عليها والتي تشمل تحرير سعر الصرف وتوسيع قاعدة مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي وتطبيق سياسات ضريبية أكثر شمولا ، وتتوزع التدفقات النقدية المتوقعة بين شريحة من القرض الأساسي الذي تبلغ قيمته الإجمالية 8 مليارات دولار ومبالغ إضافية من صندوق الصلابة والاستدامة الذي يهدف إلى مساعدة الدول الناشئة على مواجهة التحديات الهيكلية والمناخية ، وبينما تهدف هذه الخطوات إلى استعادة التوازن المالي الكلي فإن الواقع يشير إلى ضغوط متزايدة ناتجة عن رفع أسعار الطاقة وتوسيع الأوعية الضريبية مما أثر بشكل مباشر على القوة الشرائية وتصاعدت معه معدلات التضخم في الأسواق المحلية بشكل ملحوظ خلال الفترة الماضية.
آفاق النمو الاقتصادي وتحديات الالتزامات الخارجية لعام 2030
تتوقع تقارير آفاق الاقتصاد العالمي الصادرة عن المؤسسة الدولية نمو الناتج المحلي الإجمالي المصري بنسبة 4.7 بالمئة خلال العام المالي الجاري مع احتمالية وصوله إلى 5.4 بالمئة بحلول عام 2027 ، ورغم هذه المؤشرات الإيجابية رقميا إلا أنها تظل دون المستهدفات الحكومية الطموحة ولا تضمن بالضرورة تحسنا فوريا في جودة الحياة أو انخفاضا سريعا في كلفة المعيشة ، ويواجه النموذج الاقتصادي الحالي انتقادات واسعة بسبب الاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي كأداة وحيدة لإدارة الفجوات التمويلية مما يرفع كلفة الدين العام ويضع ميزانية الدولة تحت رحمة التقلبات العالمية ، وتظل التساؤلات قائمة حول مدى قدرة هذه التمويلات على إحداث تنمية حقيقية تتجاوز مجرد سداد الالتزامات القائمة أو تعزيز أرقام الاحتياطي في البنك المركزي دون إنتاج حقيقي.
تضع الحكومة المصرية رهانها على اجتماع 25 فبراير لضمان استمرار تدفق السيولة الدولارية وطمأنة المستثمرين الأجانب بجدية المسار الإصلاحي الذي تتبناه الدولة منذ سنوات ، وتتضمن الإجراءات المطلوبة تقليص الدعم الموجه لقطاعات حيوية وتحويله إلى دعم نقدي موجه مع الاستمرار في بيع بعض الأصول العامة ضمن وثيقة سياسة ملكية الدولة لخفض العجز المالي ، ومع ذلك فإن تراكم الديون يتطلب رؤية مغايرة تعتمد على تحفيز الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد بدلا من الدخول في دورات اقتراض متتالية ، ويبدو أن الصندوق يمارس ضغوطا لضمان تنفيذ كامل التعهدات قبل الإفراج عن الأموال مما يضع صانع القرار في مواجهة صعبة بين متطلبات المؤسسات الدولية والحاجة الماسة للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في ظل الظروف الراهنة.
تستمر الدولة في تنفيذ حزمة من التدابير القاسية التي شملت خفضا متكررا لقيمة العملة الوطنية مقابل الدولار الأمريكي للوصول إلى سعر صرف مرن يعكس القيمة الحقيقية للسوق ، وتؤكد البيانات الرسمية أن هذه المسيرة تهدف إلى جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتقليل الاعتماد على الأموال الساخنة التي تخرج سريعا عند وقوع الأزمات العالمية ، إلا أن التحدي الأكبر يظل في كيفية سداد أقساط هذه القروض التي تبلغ مليارات الدولارات سنويا وتستنزف جزءا كبيرا من الإيرادات السيادية للدولة ، وسيكون قرار المجلس التنفيذي في نهاية الشهر الجاري بمثابة شهادة ثقة جديدة ولكنها مشروطة بالمزيد من إجراءات التقشف ورفع الكفاءة المالية التي يراها البعض عبئا ثقيلا بينما تراها السلطات المسار الوحيد المتاح لتجاوز الاختناقات الاقتصادية المزمنة.






