
ما يلحظه المتابع، للأيام الأولى ،من دراما رمضان، هو الإحساس بالاغتراب، على الأقل فيما شاهدته للآن، يسود شعور بالاغتراب عن المكان واللغة والعلاقات بين الناس، حتى لو زعم صناع هذه الأعمال أنهم يستمدون موضوعاتهم وشخصياتهم ولغتهم من الحياة في مصر.
والحقيقه اني لست من أنصار أن الفن مرآة، و أن عليه -فقط- أن يحاكى الواقع، فحتى الأعمال «الواقعية» لا ينبغي أن تخلوا من المتعه الفنية،و من رقي اللغه وسمو الرسائل القيمية
قد يرى البعض من وجهة نظر صناع الدراما أنهم أسري لواقع إجتماعي متردي،ينبغي ان يعرض كما هو
فالناس في دراما ٢٠٢٦ (معظمهم)
يكرهون وينصبون علي بعضهم البعض،
-هذا هو الأصل- لا يتحدثون بل يصرخون، سواء يعيشون ،فى قصر او كومباوند أو بشقة بحارة شعبية في حي الباطنيه.
وتأتي النماذج السويه كاستثناء محدود جيلُنا نشأ وهو ينظرُ بشيءٍ من الاستعلاء إلى ما يقدّمه المنتج الفني السبكي؛ كنّا نرى أعمالًا تجاريةً خالصة، تخاطب الغريزة أكثر مما تخاطب العقل، وتُدغدغ السوق قبل أن تُحاور الضمير. كنا نظنّ أننا نحمي الذائقة من ابتذالٍ عابر، ولم نكن نعلم أن الأيام ستجعلنا نترحّم على زمنٍ كان فيه الابتذال اجتهادَ منتجٍ خاص، لا خيارَ دولة.
منطقُ الربح مفهوم حين يمارسه مستثمرٌ يسعى للاستمرار، أما حين تتحوّل الدولة ذاتها إلى منتجٍ للدراما، يصبح السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون فنيًا: من يحرس وعي وقيم الناس؟
من يصوغ الصورة الذهنية لمصر في عيون أبنائها قبل عيون الاخرين؟ وأيُّ سرديةٍ نختار أن نُصدّرها ونحن نعرف أن الشاشة ليست مرآةً فقط، بل مصنعُ أفكارٍ وسلوك؟
موسم رمضان هذا العام، كسابقيه، ازدحم بعبارةٍ تتصدّر الشارة الأولى: “قصة حقيقية”. كأنّ الحقيقة شهادةُ براءةٍ مسبقة.
غير أن السؤال البديهي يفرض نفسه: هل الحقيقة هي فقط حكايات الجريمة والمخدرات والتفكك الأسري والانهيار الأخلاقي؟ هل هذا وحده ما يُختصر فيه المجتمع؟
واقعُ الأمم لا يُختزل في القاع، ولا تُقاس الشعوب بأحقر ما فيها.
نقلُ الواقع دون رؤيةٍ إصلاحية ليس شجاعة، بل استسلام.
الفنّ الذي يكتفي بعرض الجرح دون أن يبحث عن دوائه، يتحوّل من رسالةٍ إلى ترويج، ومن معالجةٍ إلى إعادة إنتاج للأزمة.
مفارقةٌ قاسية أن تُنفق الملايين لتكريس صورة البلطجي وتاجرة المخدرات والطباخة التي تُقدَّم كبطلةٍ شعبية، بينما تُهمَّش سِيَرٌ صنعت وجدان الوطن.
بين “مناعة” ونجيب محفوظ مسافةُ حضارة. بين “موناليزا” المتميزة في مطبخٍ صاخب ووجه فاتن حمامة مسافةُ ذوقٍ وتاريخ.
أيُّهما أحق أن يُروى للأجيال في شهرٍ كان المصريون ينتظرونه ليجتمعوا حول قيم العائلة والرحمة؟ سِيَره صفيةزغلول وهدى شعراوي وبنت الشاطئ وجيهان السادات وإقبال ماضي ونوالمصطفى، وعائشةعبدالرحمن؟ أم حكاياتُ الاتجار بالسمّ وتصدير العنف بوصفه بطولة؟
سؤالٌ لا يحتمل المواربة: أهذه هي مصر 2026 التي نريد تسويقها؟
فلو كانت المهمة تشويه صورتها، هل كنّا سنختار أدواتٍ أبلغ مما يُعرض الآن؟ حين تتكرّس أنماطٌ بعينها عامًا بعد عام، يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والقاعدة إلى وعيٍ عام.
نقدُ هذه الأعمال ليس دعوةً للوعظ أو لمصادرة الخيال، بل مطالبةٌ بالتوازن. دراما الجريمة موجودة في كل العالم، لكنّها تُقدَّم في سياقٍ يُدين الفعل ولا يُجمّله، يُحلّل الظاهرة ولا يحتفي بها، يُظهر الثمن الأخلاقي ولا يُخفيه خلف هدف الإثارة.
تجارب دراميه كثيرة أثبتت أن العمل الجماهيري يمكن أن يجمع بين النجاح التجاري والعمق الإنساني؛ أعمالٌ ناقشت الفساد أو الجريمة، لكنها وضعت الإنسان في مركز الحكاية، لا السلاح. فحين يصبح البلطجي والعبيط قدوةً، تختلّ المعادلة.
بين عبدالمنعم رياض رمز التضحية، ومصطفى النحاس عنوان الوطنية، و#مكرمعبيد صوت الوحدة، ونموذج النزاهة، مساحةٌ واسعة من الدراما الملهمة التي لم تُستثمر بعد. لماذا يضيق الخيال حين يتعلق الأمر بالنماذج المضيئة، ويتّسع فجأة حين يتعلق بالانحطاط؟
دراما رمضان ليست مجرد ترفٍ فني؛ هي موسمُ تشكيل وعيٍ جماعي. ملايين البيوت تفتح شاشاتها في توقيتٍ واحد، فيتحوّل السرد إلى درسٍ غير مباشر، وإلى تعريفٍ ضمني بما هو طبيعي وما هو مقبول. تكرار التشويه يخلق التطبيع، والتطبيع يصنع السلوك العام.
ثروتنا الحقيقية ليست الغاز ولا النفط، بل هذا الرصيد هو قوتنا الناعمة ، والمخزون البشري من شبابٍ وأطفال. ينبغي ان يعرفوا ان مصطفى النحاس ومكرم عبيد ليسوا فقط اسماء شوارع في مدينه نصر بل هم قامات وطنيه صنعت مصر وتاريخها ومجدها وعصورها الذهبيه. لا احد يطلب إخفاء العيوب أو تزييف الواقع، لكنّ الفرق كبير بين كشف المرض ونشره وتعميمه وتكريسه. الفنّ العظيم يضيء العتمة كي يفتح نافذةً للنور، لا كي يُقنعنا أن العتمة الاصل. سؤالُ للمتحده أيُّهما أحق أن ننفق عليه ونمنحه ساعات البثّ الذهبي؟ “مناعة”…و رأس الافعي
أم مسلسل عن نجيب محفوظ صاحب نوبل الذي علّمنا أن الحارة يمكن أن تكون “كونًا” لا “وكرا”! وأن الإنسان أكبر من لحظات سقوطه؟
اسفين يا سبكي ليس حنينًا لما كان يقدمه، بل إشارة إلى مفارقةٍ موجعة: حين كان المنتج الخاص شعبوي يتاجر بالجهل ، كنا ننتقده؛ واليوم حين تتحول الدولة عن دورها التنويري، ألا يصبح النقد اكثر ضرورة؟!
دراما تليق بمصر، ليس شعارًا، ولا مزايدة ،بل مشروعًا ثقافيًا يحتاج شجاعة قرار. بلدٌ أنجب امثال نجيب محفوظ و أسامه انورعكاشة
و محفوظ عبدالرحمن ويوسف شاهين، لا يعجز عن تقديم حكاياتٍ تُشبه تاريخه. سؤال منطقي وغير مستغرب (ممن لا يعرف حقيقة أوضاع وظروف وإمكانيات قناة الشرق)
لماذا نتقدون إنتاج الدوله؟
ولا تقدموا عملا درامياواحدا وفقاً للمعايير التي تطالبون بها الآخرين -خاصه- ولديكم ممثلين كبار مثل الفنان الكبير محمدشومان والفنان القدير #هشامعبد_الحميد والفنان الرائع هشام عبدالله والمخرج السينمائي والناقد عز الدين دويدار، وكاتبة السيناريو الإعلامية فيروز_حليم ،وغيرهم وغيرهم من المدعين الشباب الواعدين ؟!
والاجابه الشافيه والوافيه علي هذا السؤال هي:-
▪️لو كان لدينا تكلفه انتاج خمسه_دقائق-فقط- من آلاف الدقائق ،آلتي ،تنتجها المتحدة.
وتنفق عليها ،من المال العام ،لكنا قدمنا نماذج مبهرة.
فليس سرا ،بقدر ما هو اعتذار ،أننا حاولنا جاهدين خوض التجربة في رمضان ٢٠٢٦, بشباب تطوع لعمل درامي رمضاني لم نتمكن للاسف الشديد من الحد الأدنى من نفقات انتاجه. رمضان سيبقى لنا في الشرق ،موسمًا للخير والكلمة الطيبة مهما ضاقت، لكنّ مسؤولية الشرق الأولي خلال 12عاما لا تقل قداسة عن مسؤولية الدراما. نضال ومسيرة وسيرةٍ وكلمه صادقه، يختبر فيها الوطن نفسه: أيُّ وجهٍ يختار أن يراه أبناؤه في المرآة؟






