
السؤال الحقيقي لا يبدأ مع الرصاصة الأولى، بل مع اليوم الذي يليها. فالنقاش الدائر اليوم لا ينبغي أن يتوقف عند احتمالية اندلاع الحرب، بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا لو اندلعت المواجهة وفشلت الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهدافهما السياسية؟ هذا السؤال لا ينطلق من الانحياز، بل من منطق استراتيجي يفرض نفسه كلما أثبت التاريخ أن الحروب لا تُقاس بلحظة البدء، بل بالقدرة على فرض نهاية سياسية مستقرة.
التفوق العسكري، رغم وضوحه النظري، لا يختزل معادلة الصراع. فالتجربة الحديثة تؤكد أن القوة النارية لا تعني دائمًا القدرة على صناعة نتائج سياسية دائمة. والتاريخ الأمريكي نفسه يقدم نماذج واضحة؛ ففي فيتنام ثم في أفغانستان لم يكن العجز عسكريًا بقدر ما كان فشلًا في تحويل التفوق العسكري إلى واقع سياسي مستقر. وبين النصر التكتيكي والانتصار الاستراتيجي مساحة واسعة قد تتحول إلى فخ طويل الأمد للقوى الكبرى.
إيران، من الناحية البنيوية، تمتلك عمقًا جغرافيًا واسعًا، وبنية أمنية معقدة، وقدرة على نقل المواجهة خارج حدودها عبر مفهوم “الدفاع المتقدم”. وهذا يعني أن المعركة تمتد إلى ساحات إقليمية متعددة عبر حلفاء طهران. لكن يجب الانتباه إلى أن هذا السلاح ذو حدين؛ فإذا نجحت واشنطن وتل أبيب في توجيه ضربات استباقية تُضعف هذه الأذرع الإقليمية أو تحدّ من فعاليتها، ستجد طهران نفسها أمام مواجهة أكثر مباشرة، ما قد يقلّص هامش المناورة الذي اعتمدت عليه طويلًا في إدارة صراعاتها غير المباشرة.
وعلى الصعيد الداخلي، يظل الرهان على الضغط لتغيير النظام من أكثر الرهانات التباسًا. فبينما يؤدي التهديد الخارجي غالبًا إلى توحيد الصف مرحلياً وتأجيل الانقسامات، لا يمكن إغفال هشاشة الجبهة الداخلية الإيرانية الحالية. فالتضخم المفرط، وتآكل العملة، والإنهاك المجتمعي، قد تحول حرب الاستنزاف الطويلة إلى “قنبلة اقتصادية موقوتة”. وإذا طال أمد الصراع، قد تعجز قدرة النظام عن امتصاص هذه الصدمات المتراكمة، مهما بلغت خبرته في إدارة الأزمات، لينهار الجدار من الداخل.
وعند الحديث عن “الانتصار الإيراني” لا بد من ضبط المصطلح بدقة. فالانتصار هنا يعني فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهدافهما السياسية. ومع ذلك، يجب التمييز بين الحسابات الأمريكية والإسرائيلية؛ فبينما تنظر واشنطن للمواجهة باعتبارها تحدياً استراتيجياً إقليمياً، تراها تل أبيب تهديداً وجودياً مباشراً. وهذا الفارق قد يدفع إسرائيل، في حال تعثرت الخيارات التقليدية، إلى دراسة خيارات ردع قصوى خارج المعادلات المعتادة، وهو احتمال يرفع من مستوى المخاطر ويجعل مسار التصعيد أقل قابلية للتوقع.
تعتمد إيران على استراتيجية امتصاص الضربة وتحويل المواجهة إلى استنزاف طويل. وتجربة البحر الأحمر أظهرت كيف يمكن فرض كلفة استراتيجية على استهداف الممرات البحرية الحساسة. لكن في المقابل، الحرب الحديثة لم تعد تقتصر على القوة الجوية التقليدية. فالتفوق التكنولوجي للخصوم قد يُترجم إلى حروب سيبرانية قادرة على استهداف البنية التحتية الحرجة، مصحوبة باختراقات استخباراتية وحملات دقيقة لشلّ مراكز القرار، وهو ما قد يفرض ضغوطًا عميقة دون الحاجة إلى اجتياح بري.
الخطر الأكبر بالنسبة لواشنطن وتل أبيب يكمن في اهتزاز صورة الردع. فإذا صمد الطرف المقابل، فإن الرسالة التي تصل إلى العالم تتعلق بحدود القوة العسكرية الغربية. وهنا يبرز العامل الدولي، فروسيا والصين قادرتان على رفع كلفة الصراع بدعمهما غير المباشر، مما يحول أي حرب إقليمية إلى اختبار لتوازنات القوى الكبرى في عالم يتجه نحو التعددية القطبية.
وإذا خرجت إيران من المواجهة دون انهيار، فإن ذلك سيؤدي حتماً إلى إعادة تقييم واسعة للتحالفات الإقليمية. ولكن، قد تسير الأمور بعكس ما تشتهيه طهران؛ فخروج إيران كقوة صامدة قد يدفع بعض دول الجوار إلى تعزيز تحالفاتها الأمنية مع واشنطن، وربما توسيع شراكاتها الدفاعية مع أطراف إقليمية أخرى، مما يعقّد البيئة الاستراتيجية في مرحلة ما بعد الحرب.
السؤال الجوهري إذن ليس من يمتلك السلاح الأقوى، بل من يستطيع تحمّل تبعات الحرب لفترة أطول داخلياً وخارجياً. فالحروب الحديثة تُخاض في الاقتصاد، والسيبرانية، والرأي العام العالمي. وأي عجز عن تحقيق نتائج سريعة قد يحول المهاجم إلى طرف معزول، كما أن سوء تقدير المدافع لقدرة احتماله قد يؤدي إلى نتائج كارثية عليه.
نحن أمام لحظة تاريخية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع التحولات الجيوسياسية الكبرى. سيناريو فشل القوة الكبرى احتمال واقعي، لكنه محاط بتعقيدات قد تُعيد تشكيل المنطقة بأكملها. فالحروب الكبرى لا تنتهي حين تتوقف النيران، بل حين تُعاد كتابة موازين القوة التي أفرزتها.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ما زالت القوة العسكرية التقليدية قادرة على فرض نهايات حاسمة كما في السابق، أم أننا أمام مرحلة جديدة تصبح فيها الإرادة السياسية، والحروب البديلة، والقدرة على الصمود الداخلي عوامل حاسمة في إعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد ملامح المرحلة القادمة لعقود طويلة.







