توسيع نفوذ جهاز مستقبل مصر عبر تدشين مشروع كاري أون لتجارة التجزئة

تعتزم السلطات المصرية إطلاق مشروع ضخم يتضمن إنشاء 40 ألف فرع لسلسلة سوبر ماركت كاري أون في خطوة تهدف لمنافسة كبريات سلاسل التجزئة العالمية مثل كارفور ولولو هايبر ماركت، وقد أسندت الدولة إدارة هذا الملف الحيوي بالكامل إلى جهاز مستقبل مصر التابع للقوات الجوية رغم تبعية الأماكن والمنافذ المقترحة لقطاع التجارة الداخلية بوزارة التموين، وتأتي هذه التحركات ضمن استراتيجية أوسع لتوحيد العلامات التجارية الاستهلاكية تحت اسم كاري أون الذي بدأ فعليا في تغيير واجهات المجمعات الاستهلاكية القائمة.
بدأت وزارة التموين والتجارة الداخلية تنفيذ خطة الإحلال والتبديل لجميع المنافذ التموينية ومكاتب البدالين ومشروع جمعيتي لتصبح فروعا تابعة لمشروع كاري أون الجديد بصورة حصرية، وشهدت الأيام الماضية افتتاح وتحويل أربعة فروع رئيسية في مناطق حيوية شملت السيدة زينب وكلية البنات ومنطقة الأميرية بالإضافة إلى فرع مدينة الإنتاج الإعلامي، وتستهدف الخطة الوصول إلى 40 ألف نقطة بيع موزعة على كافة محافظات الجمهورية لضمان هيمنة الجهاز السيادي على مفاصل تجارة التجزئة وتوزيع السلع الغذائية الأساسية للمواطنين.
أبعاد سيطرة جهاز مستقبل مصر على مفاصل التجارة الداخلية
تثير ضخامة المشروع تساؤلات اقتصادية حول قدرة الأجهزة البيروقراطية على إدارة 40 ألف فرع تجاري وهو عدد يتجاوز بكثير فروع أكبر السلاسل العالمية مثل وولمارت التي لا تمتلك سوى 11 ألف فرع، ويرى مراقبون أن دخول الدولة في منافسة مباشرة مع التجار الصغار والقطاع الخاص يهدد بالقضاء على ملايين فرص العمل المرتبطة بسلاسل التوريد والخدمات اللوجستية الصغيرة، وتعتمد الدولة في هذا التوسع على ميزات تفضيلية تتعلق بالإعفاءات من الضرائب والكهرباء وتكاليف العمالة والايجارات مما يخل بمبدأ التكافؤ التنافسي في الأسواق المحلية.
تشير المعطيات الفنية إلى أن الدولة تسعى لتطبيق نموذج احتكاري من خلال التحكم في كامل سلسلة الإمداد وصولا إلى مرحلة البيع النهائي للمستهلك تحت شعار الأمن الغذائي القومي، ويأتي هذا التوجه في وقت تعلن فيه الحكومة عن توجهها لبيع أصول كبرى ومطارات وموانئ بينما تعود للاستثمار في تجارة التجزئة والسلع الاستهلاكية البسيطة كالزيت والسكر والبيض، ويخشى الخبراء من تكرار تجارب سابقة مثل صن مول التابع للجيش ومنافذ أمان التابعة للداخلية والمجمعات الاستهلاكية التي لم تنجح تاريخيا في خفض الأسعار بشكل مستدام.
تداعيات مزاحمة القطاع الخاص وتأثيرها على الاستثمار الأجنبي
تؤدي مزاحمة الدولة للاستثمارات الخاصة والأجنبية في مجالات متنوعة مثل الفنادق والإسكان ومحطات الوقود والآن تجارة التجزئة إلى هروب رؤوس الأموال وصعوبة خلق بيئة اقتصادية جاذبة، وتستغل الجهات السيادية ثغرات السوق ونقص الوثائق الرسمية لبعض المحلات الصغيرة لفرض واقع جديد يخدم مؤسسات بعينها ويسرع من عمليات الاستحواذ على حصص سوقية ضخمة، وقد رصدت تقارير اقتصادية أن قطاع السوبر ماركت في مصر مرشح للنمو بنسبة 11% خلال العقد القادم مما يفسر رغبة الدولة في السيطرة على هذا المورد المالي الضخم.
تثبت الوقائع التاريخية أن تدخل الدولة المباشر في الإنتاج والبيع مثل مشروعات المزارع السمكية والثروة الحيوانية أدى في النهاية إلى ارتفاع الأسعار والاعتماد على الاستيراد بدلا من تحقيق الاكتفاء، وتعتبر خطة إنشاء 40 ألف فرع من مشروع كاري أون بمثابة تحول جذري في دور الدولة من منظم للنشاط الاقتصادي ومراقب للأسعار إلى تاجر منافس لمواطنيه في مصادر رزقهم البسيطة، وتظل المخاوف قائمة من أن يؤدي هذا الاحتكار الجديد إلى تدمير البنية التحتية للتجارة الخاصة التي تعيل ملايين الأسر المصرية في كافة القرى والمدن.







