تصاعد أزمة خور عبد الله بعد إيداع العراق إحداثيات بحرية لدى الأمم المتحدة.. والكويت تعتبر الخطوة مساسًا بسيادتها

تتجه العلاقات بين العراق والكويت إلى توتر جديد، عقب إعلان بغداد إيداع قوائم إحداثيات جغرافية وخريطة بحرية لدى الأمم المتحدة، في خطوة قالت الكويت إنها تمس بسيادتها على مناطق بحرية ومرتفعات مائية “لم تكن محل خلاف”.
واعتبرت بغداد الإجراء “عملًا سياديًا لا يحق لأحد التدخل فيه”، فيما استدعت الكويت دبلوماسيًا عراقيًا وسلمته مذكرة احتجاج رسمية، وسط تضامن خليجي واسع مع الموقف الكويتي.
خور عبد الله.. ممر استراتيجي محل خلاف
تتركز الأزمة حول منطقة خور عبد الله، الممر البحري الواقع بين شبه جزيرة الفاو العراقية وجزيرتي بوبيان ووربة الكويتيتين.
ويمثل الخور المنفذ البحري الأساسي لوصول السفن إلى ميناء أم قصر العراقي، ما يمنحه أهمية استراتيجية واقتصادية قصوى للعراق ذي السواحل المحدودة.
في المقابل، يعد الخور ممرًا حيويًا للكويت نحو ميناء مبارك الكبير الذي شرعت في بنائه عام 2011.
جذور النزاع.. من قرارات أممية إلى اتفاقية تنظيم الملاحة
تعود جذور الخلاف إلى ثلاثينيات القرن الماضي، حين حددت بغداد حدودها مع الكويت عام 1932، وأُقرت رسميًا عام 1963، دون حسم وضع خور عبد الله.
وبعد غزو العراق للكويت عام 1990، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 833 عام 1993، الذي أقر الحدود بشكل نهائي وملزم، وجعل خور عبد الله منطقة حدودية مشتركة تتطلب تنظيمًا مشتركًا للملاحة.
وفي أبريل 2012، أبرم البلدان اتفاقية لتنظيم الملاحة البحرية في الخور، وصادق عليها البرلمان العراقي عام 2013، لكنها أثارت جدلًا داخليًا واسعًا في العراق، حيث وُجهت اتهامات آنذاك للحكومة بالتنازل عن جزء من السيادة، وهو ما نفته الكويت.
حكم المحكمة الاتحادية العراقية يعمّق الجدل
في 4 سبتمبر 2023، قضت المحكمة الاتحادية العليا العراقية بعدم دستورية قانون التصديق على اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله، معتبرة أن تمريرها لم يحصل على أغلبية الثلثين المطلوبة دستوريًا.
أثار القرار احتجاجًا كويتيًا رسميًا، فيما شددت بغداد على التزامها بالاتفاقيات الدولية وقرارات مجلس الأمن.
وفي أبريل 2025، تقدم كل من الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني بطعنين لإعادة النظر في الحكم، استنادًا إلى مبدأ احترام المعاهدات الدولية، غير أن المحكمة أجلت النظر في الطعنين إلى أجل غير مسمى.
إحداثيات جديدة.. واحتجاج كويتي رسمي
في 21 فبراير الجاري، أعلنت الكويت استدعاء القائم بأعمال السفارة العراقية، احتجاجًا على إيداع بغداد قوائم إحداثيات وخريطة لدى الأمم المتحدة.
وقالت الخارجية الكويتية إن الوثائق تتضمن “ادعاءات تمس بسيادة الكويت على مناطقها البحرية”، ومنها فشت القيد وفشت العيج.
في المقابل، أوضحت الخارجية العراقية أنها أودعت في يناير وفبراير 2026 قوائم إحداثيات تحدد خطوط الأساس وحدود البحر الإقليمي والمنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، مؤكدة أن الخطوة تحديث قانوني يحل محل إيداعات سابقة عامي 2011 و2014.
وشددت بغداد على أن تحديد مجالاتها البحرية شأن سيادي خالص، مع التأكيد على احترامها للقانون الدولي والقرارات الأممية.
تضامن خليجي واتصالات دبلوماسية
أعربت السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والبحرين عن تضامنها مع الكويت، داعية إلى الالتزام بالقانون الدولي وعدم المساس بسيادتها.
كما جرت مباحثات هاتفية بين وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين ونظيره العماني بدر البوسعيدي، شدد خلالها الجانبان على أهمية الحوار القانوني والمفاوضات لحل الأزمة.
تصعيد محتمل وخيارات قانونية
تأتي الأزمة في ظل تاريخ حساس بين البلدين، يعود إلى غزو العراق للكويت عام 1990، قبل أن تُستأنف العلاقات الدبلوماسية بعد 2003.
ويرى مراقبون أن الأزمة مرشحة لتصعيد دبلوماسي أو قانوني، مع احتمال اللجوء إلى التحكيم الدولي لحسم ملف امتد لأكثر من 94 عامًا، في حال تعثر التوصل إلى تسوية عبر المفاوضات المباشرة.
وبين التأكيد العراقي على السيادة، والتمسك الكويتي بالقرارات الأممية، يبقى ملف خور عبد الله أحد أعقد ملفات الحدود البحرية في المنطقة الخليجية.







