
أنهيتُ الأسبوع الماضي جولةً أوروبية التقيتُ خلالها بعددٍ من البرلمانيين، وإعلاميين، وشخصياتٍ عامة تنتمي إلى مدارس فكرية متعددة، وتوزعت لقاءاتي بين قاعاتٍ رسمية ومراكز أبحاث وصالونات حوار. خرجتُ من تلك الجولة بانطباعاتٍ مكثفة، لا عن تصريحاتٍ عابرة، بل عن روحٍ عامة تُخيّم على المشهد الغربي في هذه اللحظة الدقيقة من تاريخ العالم.
بدا واضحًا أن القارة التي بشّرت طويلًا بقيادة القيم، تعيش اليوم تحت وطأة إدارة الأزمات. لغة المثال لم تختفِ، لكنها تراجعت خطوةً أمام ضغط الوقائع. أزمات الطاقة والهجرة والأمن تعلو على ما سواها، وكأن السياسة تحولت إلى فن احتواء العواصف لا صناعة الاتجاه.
في أروقة البرلمانات، لمستُ قلقًا مشروعًا من عالمٍ يتغير بسرعةٍ تفوق قدرة المؤسسات على التكيّف. الديمقراطية لا تزال حاضرة في النصوص والخطابات، لكن التطبيق يخضع لحساباتٍ معقدة تتقدم فيها الضرورات على المبادئ، وتعلو فيها مصلحة الداخل على رسائل الخارج.
الولايات المتحدة، وإن لم تكن محطة الجولة المباشرة، كانت حاضرة في كل نقاش. صورة القوة الكبرى بدت أقل يقينًا من السابق. طموح نشر الديمقراطية عالميًا تراجع أمام انقسام الداخل وضغوط الاقتصاد السياسي، وأصبحت الأولوية لاحتواء الخصوم وضبط التوازنات لا لقيادة تحولات كبرى.
الاتحاد الأوروبي يعيش مفارقة دقيقة؛ خطابٌ معياري صارم حين يتعلق الأمر بالقيم، ومرونةٌ سياسية واسعة حين تتقدم ملفات الأمن والطاقة والهجرة. المثال لم يُلغَ، لكنه صار محكومًا بسقف الممكن، والممكن تحكمه حساباتٌ براجماتية باردة لا تعترف بالعواطف.
حديث القيم لم يختفِ من لقاءاتي مع الإعلاميين، لكنه اتخذ طابعًا دفاعيًا أكثر منه هجوميًا. شعرتُ أن الغرب يدافع عن سرديته أكثر مما يفرضها. العالم لم يعد يصغي بالسهولة ذاتها، والهيمنة الأخلاقية فقدت كثيرًا من بريقها القديم.
الشرق الأوسط كان حاضرًا بقوة في الأسئلة، لا سيما ما يتعلق بأمن الممرات البحرية وحسابات البحر الأحمر. التركيز بدا منصبًا على ضمان تدفق التجارة وحماية خطوط الإمداد، بينما ملفات التسوية السياسية العميقة تتوارى خلف ستار الأولويات العاجلة.
غزة كانت جرحًا حاضرًا في الضمير، لكن الإرادة السياسية بدت أقل حضورًا من الخطاب الإنساني. كلمات التعاطف كثيرة، أما قرارات العدالة فمؤجلة. تناقضٌ يضع صدقية النظام الدولي على المحك، ويعمّق شعورًا عربيًا بأن المثال الغربي لا يُطبق بالمعيار ذاته على الجميع.
المنطقة في مجملها تعيش حالة تعليق؛ لا حسمًا عسكريًا شاملًا، ولا تسويةً نهائية عادلة. إدارة الصراع تحوّلت إلى غايةٍ بحد ذاتها، وكأن إبقاء الملفات مفتوحة أقل كلفة من إغلاقها بشجاعة.
مصر كانت محورًا مهمًا في كثير من الحوارات. الملف الاقتصادي يتصدر المشهد باعتباره معيار النجاح والاستقرار. إعادة هيكلة الأولويات المالية وجذب الاستثمارات وترتيب العلاقة مع المؤسسات الدولية تُقدَّم باعتبارها الطريق الأقصر لتثبيت العملة وطمأنة الأسواق.
غير أنني لمستُ أيضًا إدراكًا لدى بعض المحاورين بأن الاستقرار الاقتصادي وحده لا يكفي. ثقة المجتمعات لا تُبنى بالأرقام وحدها، بل بإحساسٍ حقيقي بالمشاركة والشفافية. إصلاحٌ بلا رقابة برلمانية فاعلة ولا إعلامٍ مستقل يظل ناقصًا مهما حسنت مؤشراته.
الاستقرار إن فُهم بوصفه غياب الضجيج قد يدوم زمنًا، لكنه يظل هشًا. أما إذا فُهم عقدًا اجتماعيًا متجددًا، فإنه يحتاج إلى حريةٍ مسؤولة، ومساءلةٍ عادلة، وتوازنٍ حقيقي بين السلطات. تلك هي المعادلة التي تتكرر في كل نقاش جاد حول المستقبل.
التحدي الليبرالي الذي خرجتُ به من الجولة ليس أزمة نظرية، بل أزمة ثقة. الفكرة لا تزال جذابة في جوهرها، لكن فجوة الوعد والتطبيق اتسعت. مواطنٌ غربي يسأل عن العدالة الاجتماعية، ومواطنٌ عربي يسأل عن صدقية المعايير، وكلا السؤالين مشروع.
العالم يتحرك اليوم بروحٍ براجماتية واضحة؛ السياسة تُدار بلغة المصالح العاجلة، وتُؤجل الأسئلة الكبرى إلى حين. الليبرالية لم تسقط، لكنها لم تعد تقود وحدها، بل أصبحت أحد الأصوات في جوقةٍ متعددة الاتجاهات.
خلاصة الجولة أن قيادة القيم لا يمكن أن تنفصل طويلًا عن إدارة الأزمات. القيم إن لم تجد طريقها إلى التطبيق تفقد وزنها، والأزمات إن لم تُعالج بعدالة تتكاثر. مستقبل العالم لن يُحسم بين القبضة والحرية، بل بين نظامٍ يحترم الإنسان في أوقات الرخاء كما في أوقات العاصفة.





