شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب . الملك سعود

23 فبراير/الملك الذي رحل وبقي
بعض الرجال لا يُقاس حضورهم بطول سنوات الحكم،بل بعمق الأثر الذي يتركونه. ففي الثالث والعشرين من فبراير 1969، رحل الملك سعود بن عبدالعزيز، لا كاسم في سجل الملوك، بل كفصلٍ كامل من فصول التحول العربي والإسلامي في منتصف القرن العشرين.
وُلد في 15 يناير 1902 في الكويت، في عامٍ كانت فيه رياح التأسيس تهبّ على الجزيرة العربية. كان أبوه الملك_عبدالعزيز قد استعاد الرياض، والتاريخ يُكتب على وقع الخيول والبنادق، فنشأ الطفل سعود في قلب معركة دولةٍ تتشكل، لا في ظل قصرٍ مستقر.


حفظ القرآن وهو في الثالثة عشرة، وتعلّم القراءة مبكرًا، لكن المدرسة الأولى كانت الميدان. فروسية، سباحة، قيادة، ثم مشاركة فعلية في الحملات العسكرية، وكانت حملة حائل عام 1921 إحدى أولى محطاته في طريق السياسة والحرب.


لم يكن مجرد ابنٍ لملك، بل شريكًا في صناعة الدولة. عُيّن نائبًا لأمير الرياض، ثم نائبًا للملك في نجد عام 1928، وفي 11 مايو 1933 صدر مرسوم بتعيينه أول ولي للعهد في المملكة، ليكون أول من يُلقّب بلقب «صاحب السمو الملكي».


وحين توفي الملك_عبدالعزيز في 9 نوفمبر 1953، انتقلت البيعة إلى سعود. في 11 نوفمبر صدر المرسوم، وبويع من الأسرة والعلماء والمواطنين، ليبدأ عهدٌ جديد في دولةٍ خرجت لتوها من طور التأسيس إلى طور البناء.
الملك سعود لم يرَ في الحكم امتدادًا للسلطة فقط، بل امتدادًا للعلم. نشر التعليم في البلاد، أسس المدارس، وافتتح عام 1957 جامعة الملك سعود في الرياض، أول جامعة في الجزيرة العربية. ثم معهد الإدارة العامة عام 1960، والجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1961، ورابطة العالم الإسلامي في مكة. كان يؤمن أن بناء الإنسان يسبق بناء الحجر.


شارك في المؤتمرات العربية والإسلامية، وحمل رؤيةً تتقاطع فيها الهوية الإسلامية مع البعد العربي، في زمنٍ كانت فيه المنطقة تعيد تعريف نفسها بين الاستقلال والتحالفات الجديدة. كان يرى أن المملكة جزء من أمة، وأن دورها يتجاوز حدود الجغرافيا.


غير أن السياسة لا تسير دائمًا على وتيرة واحدة. شهد عهده تحديات مالية وإدارية، واختلافات داخل الأسرة الحاكمة، انتهت بعزله عام 1964، ليكون الملك السعودي الوحيد الذي انتهى حكمه بقرار من أسرته، لا بوفاة. تلك صفحةٌ مؤلمة في سيرته، لكنها جزء من الحقيقة.
خرج من الحكم، لكنه لم يخرج من الذاكرة. تنقل بين عدد من البلدان حتى استقر به المقام في اليونان، حيث توفي في 23 فبراير 1969. نُقل جثمانه إلى مكة، وصُلّي عليه في المسجد الحرام، ثم دُفن في مقبرة العود بالرياض، كأن الرحلة عادت إلى بدايتها.


ترك أبناءً وأحفادًا، حملوا كثيرًا من ملامحه الإنسانية؛ الكرم، والانفتاح، والإيمان بأن الدولة لا تقوم إلا على تعليم شعبها وصون هويتها.
وجوه لا تغيب… لأن التاريخ لا يُختزل في نهاية حكم، ولا يُلغى بقرار عزل. يبقى من الرجل ما زرعه من مؤسسات، وما فتحه من أبواب للعلم، وما رسمه من ملامح في زمنٍ كان يتشكّل. الذكرى ليست استعادة اسم، بل استعادة معنى: أن الملكية ليست مجرد تاج، بل مسؤولية أمام الله والتاريخ والناس.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى