د. أيمن نور يكتب وجوه لا تغيب – الملك فاروق . ماذا كان يفعل «الملك الفاسد» في رمضان؟

التاريخ أحيانًا يشبه المرآة…
نقف أمامها لنرى وجوه السابقين،
فنكتشف أننا ننظر إلى وجوهنا.
وحين نردد عبارة «الملك الفاسد»،
نطمئن أننا وجدنا متهمًا جاهزًا،
ونغلق الملف بابتسامة المنتصر.
لكن دعونا نسأل بهدوء:
ماذا كان يفعل هذا الملك في رمضان؟
هل كان يقضي الشهر في عدّ الجواهر؟
أم في سباق السيارات؟
أم أن الحكاية أكثر إزعاجًا مما نحب أن نسمع؟
الملك فاروق لم يكن يتناول طعامه كل ليلة في قاعة المآدب المذهّبة.
كان – حين يكون وحده – يجلس إلى مائدة صغيرة.
هدوء شخصي لا يليق بأسطورة «الطغيان الدائم».
أحيانًا تكون الحقيقة أقل درامية من الرواية الرسمية.
ومع دخول رمضان،
كانت موائد الرحمن تمتد في ساحة قصر عابدين.
العمال والفلاحون يدخلون القصر لا كمشتبه فيهم،
بل كضيوف.
يفطرون مع الملك،
ويستمعون إلى القرآن من كبار القرّاء،
ثم يعودون إلى بيوتهم حاملين حكاية يصعب تصنيفها.
أبواب السراي كانت تُفتح.
لا بطاقة دعوة،
لا تفتيش هواتف،
لا قوائم «ممنوعين».
فقط تسجيل أسماء في غرفة التشريفات،
ثم جلوس تحت الأنوار،
وكأن الدولة قررت – لليلة واحدة – أن تبدو أمًّا لا حارسًا.
المطاعم في القاهرة كانت تتلقى أوامر غير معتادة:
قدّموا الإفطار والسحور للفقراء،
وسجّلوا الفاتورة على الجيب الملكي.
فجأة يصبح الفقير «ضيف جلالته».
تعبير بسيط،
لكنه يربك سردية أن كل ما كان في القصر كان فسادًا محضًا.
قبل رمضان بأيام،
كان المحافظون يتجهون إلى القصر لتسلّم اعتمادات مالية لموائد الأقاليم.
الرسالة واضحة:
أكرموا الفقراء،
واذكروا لهم أن الملك يرسل السلام.
سلام لا يُنقل عبر شاشة،
بل عبر طبق ساخن.
حتى الاحتفالات الملكية تغيّرت.
أُلغيت الزينات والحفلات،
وحُوّل المال إلى بيوت المحتاجين.
تخيلوا لو أن القرار كان عكس ذلك…
كم مقالًا كنا سنكتب؟
وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية،
أُلغيت مآدب كبار القوم،
واستُبدلت بمآدب للفقراء.
في زمن الحرب،
كان هناك من يرى أن أولى الضيوف هم الذين لا يملكون ثمن الخبز.
أول جمعة في رمضان،
كان الملك يؤدي الصلاة في مسجد الرفاعي.
صلاة مفتوحة للجميع،
لا حواجز زجاجية،
ولا صفوف معزولة،
ولا تعليمات «ابتعدوا».
هل يعني هذا أن الرجل كان قديسًا؟
بالطبع لا.
لكن الصورة ليست أبيض وأسود كما نحب أن نُصدّق.
التاريخ أكثر تعقيدًا من الشعارات،
وأكثر إرباكًا من خطب المنابر.
المفارقة المؤلمة أن بعض ما نعدّه اليوم «فضيلة دعائية»
كان آنذاك يُمارس في صمت.
لم يكن هناك بث مباشر لموائد القصر،
ولا حسابات تُوثّق توزيع المال على الفقراء.
كان الفعل يحدث،
ثم يُترك للتاريخ.
وجوه لا تغيب…
لأن السخرية الحقيقية ليست في الماضي،
بل في قدرتنا على اختزال البشر في لقب.
وبين «الملك الفاسد» و«موائد الرحمن»
تظل الأسئلة معلّقة:
من يملك حق الحكم على الماضي؟
ومن يملك شجاعة أن ينظر في المرآة طويلًا؟