مقالات وآراء

فرج المجبري يكتب: ثورة الجياع.. حين تتحول معركة الدينار إلى سؤال: مَن يحكم ليبيا؟

لم يعد انهيار الدينار الليبي خبرًا اقتصاديًا عابرًا يمكن احتواؤه ببيانات المصرف المركزي أو بحزمة إجراءات مالية هنا وهناك. ما يجري اليوم هو نتيجة مسار سياسي كامل بدأ منذ اللحظة التي خرج فيها القرار السيادي من يد الدولة، وتحوّل إلى سلطة موازية فرضها التمرد العسكري في الشرق، وسيطر عبرها على مفاصل النفط والمال معًا. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الاقتصاد يُدار بمنطق الدولة، بل بمنطق موازين القوة.

كل ما نراه اليوم من ارتفاع جنوني في الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية، والحديث عن ضرائب قد تصل إلى 40%، ليس إلا أعراضًا لمرض أعمق: دولة لم تعد تملك السيطرة الكاملة على مواردها ولا على قرارها المالي. فالدينار لا ينهار بسبب المضاربة وحدها، ولا بسبب الطلب على الدولار فقط، بل لأنه فقد الغطاء السياسي الذي يحميه، وهو وجود سلطة واحدة تدير الثروة وتتحمل المسؤولية أمام الناس.

حين سيطرت قوة عسكرية موازيه في بنغازي على قرار المؤسسة الوطنية للنفط، بدأت الإيرادات النفطية تتبخر بشكل لافت، رغم ثبات الإنتاج في بعض المراحل. وحين امتدت اليد نفسها إلى التأثير في قرار مصرف ليبيا المركزي، اختلّ ميزان الاقتصاد بالكامل. هنا لم تعد المشكلة في السيولة أو في سعر الصرف، بل في الثقة: من يملك القرار؟ ومن يدير المال؟ ولصالح من تُصرف الإيرادات؟

وفي المقابل، لم يكن صمت السلطة التنفيذية في طرابلس أقل خطورة. فالتعامل مع الأزمة بوصفها خللًا فنيًا، أو حصرها في الإنفاق الموازي، دون مصارحة الناس بجذر المشكلة السياسي، جعل المواطن يدفع الثمن مرتين: مرة في السوق، ومرة في الحقيقة الغائبة.

اليوم يُطلب من الليبي أن يتحمل ضرائب جديدة، وأن يقبل بارتفاع الأسعار، وأن يصبر على انهيار العملة، بينما يعرف أن مليارات النفط لا تتحول إلى استقرار اقتصادي، وأن القرار المالي موزع بين سلطات متصارعة. وهنا يتحول الغضب من ضيق معيشي إلى وعي سياسي خطير: الأزمة ليست في الموارد، بل في من يسيطر عليها.

في الدول الطبيعية تُفرض الضرائب لتمويل التنمية، أما في ليبيا فتُفرض لتعويض كلفة الانقسام. تُفرض لأن هناك من ينفق خارج الموازنة، ومن يسيطر على الإيراد خارج الدولة، ومن يرفض أن يخضع لمنظومة محاسبة واحدة. والنتيجة أن المواطن يُطلب منه أن يسد الفجوة التي صنعتها صراعات السلطة.

ثورة الجياع لا تبدأ حين يجوع الناس فقط، بل حين يشعرون أن الجوع مفروض عليهم لحماية معادلة سياسية. حين يرى الليبي أن قوته يُسحق بينما تُدار الثروة خارج المؤسسات، وأن الدولة التي يُطلب منه أن يدفع لها الضرائب لا تملك قرارها الكامل، فإن المسألة لم تعد اقتصادية، بل وجودية.

العملة التي تنهار في ظل سلطات متوازية ليست أزمة نقدية، بل إعلان فقدان ثقة في شكل الدولة. وكل المعالجات التي لا تقترب من هذه الحقيقة ستبقى حلولًا مؤقتة يبتلعها السوق سريعًا، لأن السوق يعرف ما يحاول الخطاب السياسي تجاهله: أن القرار السيادي ليس موحدًا.

ومع كل يوم تتآكل فيه القدرة على العيش، يقترب المجتمع من لحظة الانفجار. لحظة لا يسأل فيها الناس عن سعر الدولار، بل عن من أخذ الدولة ومن يملك النفط ومن يدير المال. وحين يصل الغضب إلى هذا المستوى، لا تعود الإجراءات الاقتصادية كافية لإطفاء الحريق.

طرابلس يجب أن تدرك أن الحريق إن اشتعل فسيبدأ فيها أولًا، لأن الضغط المعيشي يتركز حيث الكثافة السكانية وحيث السوق الأكبر. والاستمرار في الصمت أو في تقديم نصف الحقيقة لن يؤجل الانفجار، بل سيجعله أكثر قسوة.

ليبيا اليوم أمام معادلة واضحة: إما استعادة القرار السيادي على النفط والمال داخل دولة واحدة، أو الاستعداد لاقتصاد ينهار ومجتمع يغضب. لأن الناس قد تصبر على الفقر، لكنها لا تصبر على الظلم.

وحين يقتنع الليبيون أن الأزمة ليست قدرًا اقتصاديًا بل نتيجة سلطة مفروضة بقوة السلاح، وأن كل ما يُطلب منهم هو دفع الفاتورة، فإن ثورة الجياع لن تكون مجرد احتجاج على الأسعار… بل مواجهة مع سؤال من يحكم ليبيا.

عندها لن يكون أخطر ما في المشهد انهيار الدينار…
بل انهيار الصمت.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى