واقعة توقيف الفنان فرج عبد الكريم تفتح ملف الحريات الفنية في بنغازي

تصدرت واقعة توقيف الفنان فرج عبد الكريم في مدينة بنغازي شرق البلاد واجهة الأحداث الثقافية والسياسية عقب عرض الحلقة الأولى من الجزء الثالث عشر لمسلسل هدرازي خلال شهر رمضان الجاري، حيث أثار هذا الإجراء جدلا واسعا حول حدود العمل الفني وهامش التعبير المتاح في المناطق الخاضعة لسلطات الشرق خاصة بعد الوقف المفاجئ لعرض العمل الدرامي، وإعلان الفنان اعتزاله الإجباري قبل إخلاء سبيله لاحقا تحت وطأة المتابعة الحقوقية المكثفة للواقعة التي مست جوهر الحريات العامة والضمانات القانونية للمبدعين، وتعد واقعة توقيف الفنان فرج عبد الكريم مؤشرا على طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والعمل الإبداعي المعارض.
بدأت أزمة العمل الدرامي مع بث الحلقة الافتتاحية التي تضمنت مشاهد اعتبرت إسقاطا مباشرا على الأوضاع الأمنية والاجتماعية الراهنة مما أدى لاستدعاء الفنان والتحقيق معه من قبل مديرية أمن بنغازي الكبرى، وأعلن نجل الفنان أن والده حصل على كافة الموافقات الرسمية اللازمة لتصوير المسلسل متسائلا عن مبررات التوقيف التعسفي خاصة في ظل الحالة الصحية الحرجة لوالده، وتمثل واقعة توقيف الفنان فرج عبد الكريم خرقا للبروتوكولات الإدارية المتبعة في التعامل مع النقابات الفنية والمهنية التي ترفض محاسبة المبدعين على خلفية آرائهم الفنية أو معالجتهم الدرامية للقضايا المجتمعية الشائكة.
الانتهاكات القانونية والموقف الحقوقي من إجراءات التوقيف
وثقت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في بيان تفصيلي عملية الاحتجاز التي نفذتها أجهزة وزارة الداخلية بالحكومة المنبثقة عن مجلس النواب معتبرة الفعل انتهاكا جسيما لسيادة القانون والعدالة والمواثيق الدولية، ووصفت المؤسسة ما جرى بأنه جريمة إساءة استعمال سلطة وفقا للمادة 235 من قانون العقوبات الليبي وتعديا صارخا على الضمانات الدستورية التي تكفل حرية الرأي والمشاركة في الحياة العامة، وتؤكد التقارير أن واقعة توقيف الفنان فرج عبد الكريم تعكس توجها لتكميم الأفواه عبر توظيف القوانين العسكرية والإدارية لمصادرة الحق في النقد الموضوعي الذي أقره القضاء في أحكام سابقة.
استندت المنظمات الحقوقية في دفاعها إلى مبادئ المحكمة العليا التي أرست في الطعن الجنائي رقم 30 لسنة 15 قضائية أن النقد المباح للمسؤولين والجهات العامة هو أداة لتقصي الحقائق وليس جريمة قذف، وحملت الجهات المعنية المسؤولية الكاملة عن أمن وسلامة الفنان مطالبة بالعدول عن الإجراءات التعسفية والالتزام بمخرجات ملتقى الحوار السياسي والمعاهدات الدولية، وتأتي واقعة توقيف الفنان فرج عبد الكريم ضمن سياق شهد حوادث مماثلة طالت نوابا مثل سهام سرقيوة وإبراهيم الدرسي إضافة إلى نشطاء تعرضوا للاختفاء القسري مما يعزز المخاوف من تآكل المساحات المدنية المتاحة.
دور النقابات الفنية في حماية حرية الإبداع
أكدت نقابة المهن التمثيلية في بنغازي أن احتجاز الفنان جاء على خلفية مشهد درامي لا يجوز اجتزاؤه من سياقه الفني والمهني الكامل مشددة على ضرورة صون كرامة المبدعين واحترام قرينة البراءة، وأشارت النقابة إلى أن تنظيم العلاقة بين الفن والمؤسسة الأمنية يتطلب أطرا تشريعية واضحة تضمن التوازن بين حماية النظام العام وصون الحريات دون تحويل الدراما إلى ساحة للصراع السياسي أو الأمني، وتعتبر واقعة توقيف الفنان فرج عبد الكريم اختبارا حقيقيا لقدرة المؤسسات النقابية على حماية أعضائها من التغول السلطوي وضمان بيئة آمنة للإنتاج الثقافي والدرامي بعيدا عن التهديدات.
كشفت التقارير الرسمية أن غياب الشفافية في توضيح ملابسات مثل هذه الإجراءات يفتح الباب أمام الاستقطاب السياسي الحاد ويهدد السلم الاجتماعي في ظل الانقسام المؤسساتي المستمر الذي تعاني منه البلاد، ويطالب المتابعون بضرورة تفعيل مواد الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي التي تحمي المواطنين من الاعتقال والاحتجاز خارج الأطر القضائية لضمان عدم تكرار واقعة توقيف الفنان فرج عبد الكريم مستقبلا، وتبقى الأسئلة مطروحة حول مصير المسلسل الرمضاني والمدى الذي يمكن أن تصل إليه الرقابة الأمنية في مواجهة النقد الفني والمعالجات الدرامية التي تلامس هموم الشارع الليبي وتطلعاته.







