تحقيقات دولية تكشف فظائع الاحتجاز التعسفي بحق معتقلو الفاشر في دارفور

كشفت تقارير حقوقية ودولية عن انتهاكات مروعة طالت معتقلو الفاشر الذين سقطوا في قبضة قوات الدعم السريع عقب اجتياح المدينة في أكتوبر الماضي، حيث تشير البيانات الموثقة إلى احتجاز آلاف المدنيين في ظروف غير إنسانية بالغة القسوة داخل إقليم دارفور، وتواجه العائلات النازحة ضغوطا نفسية واقتصادية هائلة جراء عمليات الابتزاز المالي التي يمارسها المسلحون، والذين يطالبون بفدية مالية تبدأ من 5 ملايين جنيه مقابل إطلاق سراح ذويهم دون تقديم أي ضمانات حقيقية لسلامتهم أو عودتهم، وتؤكد المعلومات أن معتقلو الفاشر يواجهون مخاطر التصفية الجسدية في حال العجز عن دفع المبالغ المطلوبة.
تحدثت حليمة إسماعيل عن فقدان أشقائها الثلاثة الذين وقعوا في مصيدة الاعتقال خلال الهجوم على المدينة، حيث تعيش مع أسرتها في مخيمات النزوح دون القدرة على توفير ثمن الطعام ناهيك عن دفع الفدية، وأكدت التقارير أن المسلحين يعمدون إلى مصادرة هواتف النساء المعتقلات لاستخدامها في تهديد ذويهن ومضاعفة الأوجاع الإنسانية، وتأتي هذه الوقائع في ظل حصار خانق استمر لأكثر من 18 شهرا على المدينة قبل سقوطها، مما أدى إلى وقوع إصابات وقتلى ونهب واسع للممتلكات الخاصة والعامة، وسط صمت مطبق من القوى المسيطرة على الأرض تجاه هذه الجرائم.
سخرة إجبارية وانتهاكات صارخة داخل المستشفيات والمنازل
أفادت شهادات ناجين ومقربين بأن معتقلو الفاشر أجبروا تحت تهديد السلاح على القيام بأعمال شاقة ومهينة، منها دفن القتلى بأسلوب قسري واستخدامهم كعمال سخرة داخل المستشفى السعودي لخدمة جرحى القوات المهاجمة، ويتم إخراج المحتجزين نهارا لجمع مقتنيات المواطنين في حي الدرجة الأولى ثم حرق المنازل لتمويه آثار النهب والسرقة الممنهجة، وروت السيدة علوية التي خاطرت بالعودة للبحث عن زوجها وشقيقها أن الأخير تم نقله مع 6 آلاف شخص من منطقة قرني إلى الميناء البري، حيث وجهت لهم اتهامات عسكرية رغم كونهم مواطنين عزل ومسارعين للفرار من جحيم المعارك.
أوضحت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان أن قوات الدعم السريع نفذت تدميرا منسقا يستهدف مجتمعات محددة، وأكدت في تقرير قدمته لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 19 فبراير الجاري وجود سمات للإبادة الجماعية، ووثقت البعثة ارتكاب ثلاثة أفعال تشمل القتل وإحداث ضرر جسدي ونفسي جسيم وفرض ظروف معيشية مدمرة، وتزامن ذلك مع إعلان المقاومة الشعبية في ولاية شمال دارفور في 9 فبراير الجاري عن احتجاز 9 آلاف مواطن في سجن شالا، حيث توفي 300 شخص نتيجة الإهمال الطبي المتعمد داخل هذا المعتقل السيئ السمعة.
سجون سرية وغياب كامل للضمانات القانونية الدولية
برزت أسماء مواقع احتجاز جديدة مثل سجن تقريس ودقريس في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، بالإضافة إلى سجن كابو الذي ينقل إليه معتقلو الفاشر والمجلوبون من الخرطوم وكردفان، ويؤكد المتخصص في شؤون الإقليم عيسى دفع الله أن المعاناة تزداد بسبب غياب الفصل بين المدنيين والعسكريين، حيث يتم التعامل مع الجميع كأعداء محتملين مما يحرمهم من حماية القانون الدولي الإنساني، ويواجه المعتقلون تحقيقات قاسية وعمليات مقايضة مالية تفتقر لأدنى معايير العدالة، في ظل انقطاع كامل لأخبار مئات الأشخاص مثل الشقيقين أحمد والمغيث اللذين انقطعت أثارهما منذ شهرين.
أشارت الخبيرة القانونية إقبال أحمد إلى أن ما يحدث هو مزيج من الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري، حيث يتم توقيف الأشخاص دون إجراءات قانونية مع إنكار وجودهم أو مكان حجزهم، وحذرت من أن الاعتقال يتم في ظروف تؤدي للموت جوعا وأن التعذيب تحول لعملية منظمة للتصفية الجسدية، كما لفتت الانتباه إلى دور قطع الاتصالات في إعاقة تأسيس ملفات اتهام قوية أمام المحاكم الدولية، بينما ناشد محمد إدريس ومدثر عثمان المنظمات الدولية والصليب الأحمر للتدخل لمعرفة مصير أبنائهم، خاصة مع تأكيد التقارير أن معتقلو الفاشر أصبحوا وقودا لحرب لا تحترم قواعد حماية المدنيين.







