إسلام الغمري يكتب: ماذا لو هُزمت إيران… هل تتحمل أمريكا وإسرائيل كلفة النصر؟ (2)

في السياسة الدولية لا تكمن خطورة الحروب في لحظة اندلاعها، بل في العالم الذي تخلّفه بعدها. فكل مواجهة كبرى لا تغيّر موازين القوى فقط، بل تكشف حدود القوة نفسها. ومن هذا المنطلق، فإن سؤال هزيمة إيران لا يتعلق فقط بإمكانية تحقيق انتصار عسكري أمريكي–إسرائيلي، بل بالسؤال الأكثر عمقًا: هل يستطيع المنتصر فعلًا إدارة نتائج نصره؟
وفي مقال سابق ناقشنا السيناريو المعاكس، أي احتمال فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهدافهما، وكيف يمكن لصمود الطرف الآخر أن يعيد تشكيل التوازنات. أما اليوم فنقلب زاوية النظر لنتأمل الوجه الآخر من المعادلة: ماذا لو تحقق النصر العسكري فعلًا، وهل يكون نهاية الصراع أم بداية مرحلة أكثر تعقيدًا؟
التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي، من الناحية النظرية، قادر على إلحاق ضرر بالغ بالبنية العسكرية الإيرانية وربما شلّ قدرات الردع الأساسية. غير أن التاريخ الحديث أثبت أن إسقاط التوازن القائم لا يعني ولادة نظام مستقر تلقائيًا. فالقوة تستطيع كسر المعادلات القديمة، لكنها لا تضمن دائمًا بناء معادلات جديدة قابلة للحياة، وهي المفارقة التي واجهتها قوى كبرى في تجارب عديدة؛ فالعراق بعد ألفين وثلاثة مثلًا أظهر كيف يمكن أن يتحول النصر العسكري السريع إلى تحدٍّ طويل في إدارة الفراغ السياسي.
إيران ليست مجرد نظام سياسي يمكن استبداله بسهولة، بل دولة ذات عمق تاريخي وبنية أمنية ومجتمعية معقدة. هزيمة مركز السلطة لا تعني بالضرورة نهاية الصراع، بل قد تعني بدايته بصيغة أكثر تشظيًا. فالفراغ الذي يخلفه سقوط قوة إقليمية بهذا الحجم لا يبقى فراغًا طويلًا، بل تجري محاولة ملئه سريعًا بقوى متنافسة، بعضها محلي وبعضها إقليمي ودولي.
سيناريو التفكك الداخلي يمثل أحد أخطر النتائج المحتملة. ففي حال تراجعت قبضة المركز، قد نشهد صعود قوى مسلحة أو نزعات انفصالية، ما يحول الدولة من خصم واضح المعالم إلى ساحة مفتوحة للفوضى. وهنا تظهر المعضلة القديمة: إسقاط الخصم أسهل بكثير من إدارة ما يأتي بعده، لأن الفوضى لا يمكن ردعها بالطريقة نفسها التي يُردع بها نظام مركزي.
هذا التفكك الداخلي لا تقف حدوده عند الجغرافيا الإيرانية، بل يمتد ليصبح كابوسًا أمنيًا وديموغرافيًا لدول الجوار، وتحديدًا في الخليج. فدول المنطقة التي تسعى لتحجيم نفوذ طهران تدرك أن انهيار دولة كبيرة في أتون النزاعات العرقية قد يولد موجات لجوء ضخمة وتسربًا واسعًا للسلاح. وفي ميزان الحسابات الاستراتيجية، قد يبدو التعامل مع نظام مركزي عدائي أقل كلفة من مواجهة جغرافيا ممزقة تصدر الفوضى إلى محيطها.
وبالتوازي مع انهيار المركز، تبرز معضلة الساحات المرتبطة بطهران وأذرعها الإقليمية. فإذا سقط النظام، ما الذي سيحل بهذه الشبكة المعقدة من الحلفاء؟ انقطاع الدعم المباشر قد لا يعني اختفاء هذه الفصائل، بل ربما تحولها إلى كيانات منفلتة لا تخضع لأي مرجعية سياسية ضابطة، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار يصعب احتواؤها.
ومن زاوية إقليمية أوسع، فإن هزيمة إيران ستعيد رسم الخريطة الجيوسياسية بالكامل. بعض القوى سترى في ذلك فرصة لتوسيع نفوذها، بينما ستشعر قوى أخرى بقلق عميق من اختلال ميزان الردع. وهكذا قد يؤدي النصر العسكري إلى سباق نفوذ جديد بدلًا من تحقيق الاستقرار، لأن المنطقة لا تحتمل فراغًا طويلًا دون أن تعيد إنتاج توازناتها الخاصة. ومع ذلك، قد ترى بعض الأطراف أن هذه الكلفة تبقى مقبولة إذا كانت النتيجة إضعاف تهديد استراتيجي طويل الأمد، وهو ما يفسر استمرار الرهان على الخيار العسكري رغم مخاطره.
اقتصاديًا، لا يمكن فصل أي مواجهة كبرى عن تأثيرها العالمي. فاضطراب دولة بحجم إيران يعني اهتزازًا في أسواق الطاقة وسلاسل التجارة، حتى لو انتهت العمليات العسكرية بسرعة. وفي عالم هش اقتصاديًا، قد تتحول كلفة النصر إلى عبء عالمي يتجاوز حدود الأطراف التي خاضت الحرب نفسها.
أما إسرائيل، التي تنظر إلى إيران كتهديد استراتيجي مباشر، فقد ترى في هزيمتها إنجازًا تاريخيًا. لكن غياب خصم مركزي واضح قد يفتح الباب أمام تهديدات أقل قابلية للردع وأكثر انتشارًا. وفي كثير من الأحيان، لا يعني اختفاء مصدر التهديد اختفاء الخطر، بل تحوّله إلى أشكال أكثر تعقيدًا يصعب احتواؤها.
الولايات المتحدة بدورها قد تواجه معضلة مختلفة. فهي تميل إلى الحسم السريع وتجنب الانخراط الطويل، لكن انهيار توازن إقليمي كبير قد يفرض عليها التزامات غير مباشرة: حماية الممرات، احتواء الفوضى، ومنع تمدد خصومها الدوليين. وهنا يتحول النصر العسكري إلى التزام استراتيجي طويل قد لا يتوافق مع المزاج السياسي الأمريكي.
العامل الدولي يزيد الصورة تعقيدًا. فروسيا والصين لن تنظرا إلى هزيمة إيران بوصفها حدثًا محليًا، بل كتحول يمس توازنات القوى العالمية. ولذلك قد تسعيان إلى ملء الفراغ بوسائل سياسية واقتصادية، ما يعني أن النصر العسكري لا يضمن بالضرورة حسمًا جيوسياسيًا كاملًا.
ومن زاوية الرأي العام العالمي، فإن مشاهد ما بعد الحرب قد تعيد صياغة الموقف السياسي من الصراع. فكلما طال عدم الاستقرار، ارتفعت الكلفة الأخلاقية والسياسية على الطرف المنتصر، لأن العالم اليوم لا يحكم فقط بنتائج المعارك، بل أيضًا بصور ما بعدها.
المفارقة الكبرى أن النصر الكامل قد يحمل في داخله بذور أزمة جديدة. فالحروب لا تنتهي عندما يسقط الخصم، بل عندما يستقر النظام الذي يولد بعد سقوطه. والتاريخ يعلمنا أن أصعب لحظة في الحروب ليست لحظة إسقاط الخصم، بل لحظة إدارة الفراغ الذي يليه، حيث تبدأ الاختبارات الحقيقية للقوة السياسية لا العسكرية.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن تحقيق نصر عسكري واضح دون أن يتحول إلى عبء استراتيجي طويل الأمد؟ فالمنتصر الحقيقي في الحروب الحديثة ليس من يربح المعركة فقط، بل من يستطيع العيش مع نتائجها.







