
الثقافه رافعه وليست تابعه، عبارةٌ ليست عابره، بل كاشفة، قالت فيها وزيره الثقافه في لقاء مع تركي الشيخ [إن السياسة تقود الثقافة]، وإن دور الأخيرة أن تتحرك وفقا للاولي.
عبارةٌ قد تبدو للبعض” إدارية “
في ظاهرها، لكنها في جوهرها فلسفة حكم، ورؤية لمكانة العقل في حضرة السلطة.
يا جيهان …
تجلسين اليوم وامك لافتة مكتوب عليها الوزيرة جيهان زكي، تجلسين على مقعدٍ لم يكن يومًا قطعة أثاث في وزارة، بل كان منصة ضمير.
مقعد مرّ عليه طه حسين حين كان التعليم والثقافة جناحين لمشروع وطني للمعارف ،مشروع يتنفس بالمعرفة، مرّ عليه قبل قدومك ثروت عكاشة الذي قد نختلف سياسيا معه، لكن أحدا لا ينكر انه فهم أن بناء المسارح ودور الأوبرا وحماية الآثار ليس تبعية اداريه ولا ترفًا، بل تأسيسًا للهوية، المصرية.
مرّ عليه منصور حسن وهو من هو ،في تاريخ مصر السياسي والدكتور والمفكر أحمد هيكل الذي حمل الحسّ والوزن الفكري الكبير لهذا الكرسي، الذي تعاقبت عليه قامات سياسية وفكرية ، مثل:
يوسف السباعي
وفاروق حسني
وجابر عصفور
وعماد أبوغازي
وصولًا إلى أحمد فؤاد هنو.
ياجيهان
لم يكن لديّ سببٌ للإعجاب بتاريخك الثقافي ، رغم أنك شقيقة سعادة السفير، الذي أقدّر مسيرته في الخارجية المصرية وفي جامعة الدول العربية.
وهو تقديرٌ لا يتعدى حدود الاحترام الشخصي.
وأكد لك ان جوهر القضية لا يتعلق بشخصك، بل بفكرة مفزعة.
فكرة أن الثقافة ينبغي أن تتبع السياسة.
وهنا يكمن الخطر. فالسياسة بطبيعتها إدارة مصالح آنية، توازنات، تحالفات، خلافات واتفاقات تنيء الثقافة بنفسها عنها. القصه ليست أرقام في موازنات،او تمويلات لرحلات أو حفلات، هي ضمير و رؤيه لهوية طويله الأمد، هي ما يسبق القرار السياسي
وما يبقى بعد سقوطه.
السياسة تسعى إلى الاستقرار، والثقافة تسعى إلى المعنى.
السياسة تنظم المجال العام، والثقافة تُعيد تعريفه.
يا جيهان…
هل سمعت ما قاله طه حسين
إن الثقافة حقٌ وحياه.
لم يقل إنها أداة،
حين تولّى مسؤوليه المعارف، لم يرَ نفسه منفذًا لسياسية وزارة، بل حاملًا لمشروع تنوير. وحين كتب عن حرية الفكر، كان يدرك أن الدولة التي تخشى المثقف تضعف، وأن الدولة التي تحميه تقوى.
وحتي ثروت عكاشة، كان يرى أن «الدولة التي لا تعلي شأن ثقافتها تهين مستقبلها».
لم يكن يسأل: ماذا تريد السياسة اليوم؟ بل ماذا تحتاج مصر غدًا؟
في عهد فاروق حسني اتسعت البنية التحتية الثقافية، ورغم ما أحاط بالفترة من جدل، ظلّت فكرة أن الثقافة مساحة مستقلة نسبيًا
ثم جاء جابر عصفور ليضع «التنوير» عنوانًا واضحًا، مؤكدًا أن الثقافة ليست ديكورًا، بل سلاحًا معرفيًا في مواجهة التطرف والجهل.
وصولًا إلى أحمد فؤاد هنو، الذي أراه من أفضل من تولوا المنصب في السنوات الأخيرة.
رجلٌ جاء من قلب الفن التشكيلي، وفهم أن الوزارة ليست منبر خطابة بل حاضنة إبداع.
يا جيهان
ربما من سوء حظك أن تحلّي محلّه، لأن المقارنة ليست في صالحك، ولا السياق يسمح بترف التجربة.
فمصر تحتاج اليوم ثقافةٌ تقود السياسة لبناء دولةً تستمد مشروعها من وعي مجتمعها.
ثقافةٌ تتبع السياسة تعني جهازًا إداريًا ينتج بيانات واحتفالات وصورًا بلا روح.
والفارق بين الحالتين هو الفارق بين وطنٍ يُصغي لمثقفيه، ووطنٍ يُملي عليهم ما يقولونه.
تاريخ مصر الحديث يقول:
إن كل لحظة صعود سياسي ،سبقها مشروع ثقافي.
نهضة التعليم سبقت إصلاحات الدولة،
ومشروع الترجمة سبق تحولات الوعي،
وحركة المسرح والسينما صنعت رأيًا عامًا لم تصنعه حفلات الترفيه.
يا جيهان…الثقافة لم تكن تابعًه، بل كانت رافعة.
حديثك في لقاء تركي آل الشيخ
قد يكون لم يكن وليد قله خبره، او زلة تعبير، أو اجتهادًا في غير محله، لكنه يعكس تصورًا يحتاج منك إلى مراجعة.
يا جيهان …
ثقافه مصر ليست ساحة ترفيه،ولا زيارات فنانين، فحسب،
بل هي قوتها الناعمه ونفطها الابيض، وذهبها المخزون في معابدها
عبر آلاف السنين
و وزارة الثقافة ليست دارا للمناسبات الموسمية، بل
“ضمير وطن”، يرحل حكامه، وسياسيه ، ويبقي شامخا رفيع الشرف.لا يربط علي كتفه أحد مهما علا شأنه.
يا جيهان…
الخشية الحقيقية ليست في عبارة، بل في ما قد تبنيه من تسليم لسياسات وتبعيه .
فإذا صارت الثقافة أداة لتجميل قرار سياسي، فستفقد قدرتها على نقده. وإذا فقدت النقد،
فقدت جوهر الرسالة.
كبار المفكرين ، من محمد عبده إلى رفاعه رافع الطهطاوي الي إدوارد سعيد، أكدوا أن المثقف الحقيقي لا يُستدعى لتبرير السلطة، بل ليُذكّرها بحدودها.
الثقافة إن لم تكن
“مساحة استقلال،وابداع”
تحوّلت إلى عقد استخدام.
او صفحه تنزع من كتاب ،لتلحق بكراسه مدرسيه
يا جيهان…
مصر اليوم ـ وأكثر من اي وقت مضى ـ في حاجة إلى وزارة ثقافة تحمي حرية الابداع و التعبير،
لا احد يلمس كتفها، لأنها تقف كتفها بكتف مع كل الحكام وملاك المال والقرار
يا جيهان.
رسالتي إليكِ ليست تجريحا أو خصومة شخصية، بل تذكيرا وغيره وطنية،علي المقعد الذي تجلسين عليه،فهو أوسع و أكبر من أي حكومة، وأطول عمرًا من أي دور سياسي. فهذا المقعد تحديدا، ملكٌ للتاريخ، وأمانةٌ في يد من يشغله ولو مؤقتا.
يا جيهان…
أعيدي النظر في العبارة، لأن الكلمات تصنع السياسات.
و الثقافة التي تقود السياسة تبني دولةً تعرف قيمتها،
والسياسة التي تقود الثقافة تُنتج خطابًا يخاف من العقل والفكر والفهم ويكره الابداع و يخشين من المثقفين، ومصر بكل تاريخها لا تستحق أن تخاف من نفسها.







