مصرملفات وتقارير

تراجع حدة التكافل الاجتماعي في مصر خلال موسم رمضان 2026 نتيجة غلاء الأسعار

تشهد خريطة العمل الخيري في مصر تراجعا ملحوظا خلال شهر رمضان المبارك لعام 2026 حيث تلاشت الكثير من مظاهر البر المعتادة، وتأثرت غلاء الأسعار بشكل مباشر على قدرة المواطنين والمؤسسات على إقامة الشعائر التكافلية التي تميزت بها البلاد لعقود طويلة، وتسببت الضغوط الاقتصادية الراهنة في انكماش ظاهرة موائد الرحمن التي كانت تغطي أحياء العاصمة والمحافظات، وباتت الشروط الإدارية والمالية المعقدة التي وضعتها الجهات الرسمية عائقا إضافيا أمام الراغبين في إطعام الفقراء وعابري السبيل خلال الشهر الفضيل، مما أدى إلى غياب المشهد التقليدي للتجمعات الرمضانية الكبرى في الشوارع والميادين العامة، وتكررت في التقارير الاقتصادية عبارة غلاء الأسعار كسبب رئيسي لهذا التحول النوعي في سلوك الإنفاق الشعبي والمؤسسي،

تؤكد البيانات الميدانية أن موائد الرحمن التي كانت تنتشر في كل زقاق وحي تراجع عددها بصورة حادة خلال الموسم الحالي، واضطر القائمون عليها إلى استبدال الموائد المفتوحة بوجبات جاهرة محدودة الكمية لتوفير التفقات الباهظة، واختفى البروتين الحيواني من اللحوم والدواجن عن معظم هذه الوجبات بعد أن قفزت أسعارها إلى مستويات قياسية تفوق قدرة المتبرعين، وتكشف الاحصائيات أن السيطرة على تكاليف الطبخ أصبحت مستحيلة في ظل غلاء الأسعار الذي طال الزيت والأرز والمكرونة، وهو ما دفع الكثير من المبادرات الفردية إلى التوقف نهائيا عن تقديم خدمات الإفطار الجماعي، واقتصرت بعض الجهود على توزيع أصناف بديلة وأقل تكلفة لسد رمق المحتاجين في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد،

انكماش محتويات شنطة رمضان وتراجع الكفالات الشهرية

سجلت الأسواق اختفاء تدريجيا لمكونات شنطة رمضان التقليدية التي كانت تحتوي على السكر والزيت والسمن واللحوم والدجاج، حيث أصبحت الشنط الموزعة حاليا أصغر حجما وتفتقر للسلع الأساسية التي كانت تميزها في السنوات الماضية، وألغت بعض الجمعيات الخيرية توزيع هذه الشنط واستبدلتها بكوبونات شراء ذات قيمة شرائية منخفضة لا تغطي احتياجات الأسر الفعلية، وتسبب غلاء الأسعار في انهيار القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة التي كانت تمثل العمود الفقري للتبرعات والعمل الأهلي في مصر، وبات المتبرعون الذين كانوا يكفلون أسرا بشكل كامل طوال العام يكتفون بمبالغ رمزية أو تبرعات موسمية بسيطة لا تسمن ولا تغني من جوع، مما زاد من معاناة الفئات الأكثر احتياجا في المجتمع،

تراجعت العزومات العائلية بشكل لافت بين الأسر المصرية التي كانت تجتمع على موائد ضخمة ويتبادل جيرانها أطباق الطعام والحلويات، وأصبح كل بيت يحاول الاكتفاء بما لديه من موارد شحيحة لتأمين وجبة الإفطار الأساسية دون أي مظاهر للترف أو الوفرة، وأدى غلاء الأسعار إلى تقليص شراء ياميش رمضان والمكسرات التي كانت تتصدر الموائد، وحلت مكانها بدائل شعبية رخيصة الثمن وبكميات ضئيلة جدا تتناسب مع الميزانيات المنهكة للمواطنين، وانعكس هذا الوضع على سوق الملابس حيث عجزت الكثير من العائلات عن شراء ملابس العيد لأطفالها، واتجهت الغالبية العظمى نحو أسواق المستعمل “البالة” بعد الارتفاع الجنوني في أسعار المنسوجات والملابس الجاهزة في المتاجر والمولات،

تضاعف حجم الإنفاق الغذائي رغم انخفاض الاستهلاك الفعلي

تشير التقديرات الاقتصادية الصادرة في فبراير 2026 إلى أن إجمالي إنفاق المصريين في شهر رمضان يصل إلى 100 مليار جنيه، ويمثل هذا الرقم قفزة هائلة مقارنة بمتوسط الإنفاق في الشهور العادية الذي يبلغ نحو 55 مليار جنيه تقريبا، وتستحوذ قطاعات الطعام والشراب وحدها على نحو 60 مليار جنيه من إجمالي الميزانية المخصصة لهذا الموسم الاستهلاكي الضخم، ورغم هذا الإنفاق الملياري إلا أن الكميات المستهلكة فعليا تراجعت نتيجة غلاء الأسعار الذي التهم القيمة الشرائية للعملة المحلية بشكل غير مسبوق، وتحتل مصر المرتبة الثانية عربيا في حجم الإنفاق الرمضاني بعد المملكة العربية السعودية، وهو ما يعكس التحدي الكبير الذي يواجهه الاقتصاد المصري في توفير السلع بأسعار معقولة،

تؤكد التقارير أن ظاهرة التبرع السري ووضع المساعدات خلف الأبواب تراجعت هي الأخرى بسبب الضغوط المعيشية التي طالت الجميع بلا استثناء، وباتت الجمعيات الخيرية تعاني من نقص حاد في تدفق السيولة النقدية نتيجة تضاعف أسعار السلع والخدمات عدة مرات خلال فترة وجيزة، وساهم غلاء الأسعار في تغيير النمط الغذائي للمصريين الذين تحولوا من الشكوى إلى محاولة التكيف الإجباري مع واقع اقتصادي مرير، ورغم استمرار موجة الشراء الموسمية إلا أن الإنفاق أصبح أكثر حذرا وتركيزا على الضروريات القصوى فقط، مما يعكس حالة من الانكماش الاجتماعي والاقتصادي تسيطر على ملامح الشهر الكريم في كافة ربوع الجمهورية، وتستمر المعاناة مع استمرار تصاعد مؤشرات التضخم،

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى