مقالات وآراء

المعتصم بالله الكيلاني : بين الشرعية الانتقالية والسلطة التأسيسية: ما الذي يحقّ لمجلس استثنائي أن يقرّره؟

في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول، يصبح السؤال حول الشرعية أكثر إلحاحًا من أي سؤال آخر. ليس كل كيانٍ قائمٍ يملك بالضرورة حق إعادة تأسيس الدولة، وليس كل مجلسٍ تشكّل في ظرف استثنائي مخوّلًا لرسم مستقبل دائم. في السياق السوري، حيث يُطرح تشكيل مجلس شعب بآلية غير قائمة على اقتراع مباشر شامل، تتقدم مسألة حدود الصلاحية إلى صدارة النقاش: هل يملك مجلس كهذا سلطة صياغة دستور جديد، أم أن دوره يجب أن يظل محصورًا بإدارة المرحلة الانتقالية؟

التجارب المقارنة في مسارات التحول السياسي تُظهر نمطًا واضحًا: المجالس التي لا تنبثق عن انتخابات عامة مباشرة تُمنح عادة تفويضًا وظيفيًا مؤقتًا، لا تفويضًا تأسيسيًا دائمًا. مهمتها إدارة الفراغ، تثبيت الاستقرار، وضبط الإطار القانوني، تمهيدًا لعودة السيادة إلى الشعب عبر انتخابات. في هذا الإطار، يمكن لمجلس انتقالي أن يصدر تشريعات تنظّم المرحلة المؤقتة، وأن يراجع القوانين السابقة بما ينسجم مع متطلبات التحول، وأن يضع ضمانات للحريات العامة وحقوق الإنسان، وأن يهيّئ الإطار القانوني للانتخابات المقبلة، وأن يمارس رقابة على أداء السلطة التنفيذية، وأن يقرّ قوانين العدالة الانتقالية لمعالجة إرث الانتهاكات. هذه صلاحيات انتقالية، مهما بدت واسعة، تبقى ضمن وظيفة الإدارة لا التأسيس.

لكن الدستور ليس تفصيلًا إداريًا. إنه الوثيقة التي تحدد شكل النظام السياسي، وطبيعة الحكم، وتوزيع السلطات وصلاحياتها، وضمانات الحقوق والحريات. هنا نغادر نطاق التشريع العادي إلى مجال “السلطة التأسيسية”. الفقيه الفرنسي إيمانويل جوزيف سييّس، أحد منظّري الثورة الفرنسية، صاغ التمييز الحاسم بين “السلطة المُنشأة” التي تعمل ضمن إطار قانوني قائم، و“السلطة التأسيسية الأصلية” التي تملك حق إنشاء هذا الإطار نفسه. الأولى مقيدة بالقواعد، والثانية تصنع القواعد. الخلط بينهما ليس مجرد خطأ تقني، بل مساس بجوهر الشرعية السياسية.

التجارب الدولية تؤكد هذا الفصل. في تونس بعد 2011، جرى انتخاب مجلس وطني تأسيسي خصيصًا لصياغة دستور جديد، مستندًا إلى اقتراع مباشر منح العملية شرعية واضحة. وفي جنوب أفريقيا، عقب نهاية نظام الفصل العنصري، تولّت جمعية دستورية منتخبة صياغة دستور 1996، ضمن مسار خضع لرقابة قضائية لضمان الالتزام بالمبادئ المتفق عليها. أما في العراق عام 2005، فقد انتُخبت جمعية وطنية كتبت الدستور قبل عرضه على استفتاء شعبي عام. القاسم المشترك في هذه الحالات أن لحظة التأسيس أُعيدت صراحة إلى الناخبين، لا إلى هيئات انتقالية معينة.

في المقابل، أظهرت تجارب أخرى أن غموض التفويض أو ضعف التمثيل في المسار الدستوري قد ينعكس لاحقًا على الاستقرار. الجدل الذي رافق المسار الدستوري في مصر بعد 2013، وكذلك تعثر العملية الدستورية في ليبيا، يبيّنان أن لحظة التأسيس إذا لم تُحط بأوسع قدر ممكن من الشرعية والتمثيل، فإن آثار ذلك قد تمتد لسنوات. المسألة لا تتعلق بسرعة الإنجاز، بل بعمق القبول المجتمعي.

قد يجادل البعض بأن الظروف الاستثنائية تفرض حلولًا استثنائية، وأن توسيع صلاحيات مجلس انتقالي قد يكون ثمنًا مقبولًا لتسريع الاستقرار. غير أن الاستقرار الناتج عن اختصار اللحظة التأسيسية يختلف جذريًا عن الاستقرار الناتج عن تفويض شعبي كامل. الأول قد ينجح في تهدئة اللحظة، لكنه يترك سؤال الشرعية مفتوحًا. أما الثاني، فيبني أساسًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

انطلاقًا من ذلك، إذا كان مجلس الشعب القادم قد تشكّل بآلية استثنائية، فإن شرعيته — مهما كانت دوافع تشكيله — تبقى شرعية انتقالية. دوره الطبيعي هو إدارة المرحلة، لا تحديد شكل الدولة الدائم. أما صياغة الدستور الجديد، بما يتضمنه من رسم نظام الحكم وتحديد صلاحيات السلطات، فهي مهمة تتطلب تفويضًا شعبيًا مباشرًا عبر هيئة منتخبة خصيصًا لهذه الغاية، يعقبها استفتاء عام يمنح النص شرعيته النهائية.

المرحلة الانتقالية بطبيعتها مؤقتة ومقيّدة، أما الدستور فوثيقة طويلة الأمد تؤسس لعقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع. وبين المؤقت والدائم، يكمن الفرق بين إدارة الأزمة وصناعة المستقبل. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بوضوح: هل نبحث عن تسوية عابرة تُغلق ملف اللحظة، أم عن تأسيس شرعي يفتح أفق الدولة؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى