
زاملته في برلمان 1995، وكنت كلما أنصتُّ إليه شعرت أنني أستمع إلى مقطعٍ شجيّ من صوت أم كلثوم. لم يكن الأمر تشبيهًا عابرًا، بل إحساسًا حقيقيًا؛ عذوبةٌ في الأداء، دفءٌ في العبارة، حنانٌ يسبق الفكرة، ولطفٌ يكسو الموقف. كان يتكلم فيهدأ المكان، وتختلف الآراء ثم تتصافح الكلمات في صوته قبل أن تصل إلى آذاننا.
وجوهٌ لا تغيب لأن أثرها لا يُختصر في صورة، بل يمتد كصوتٍ يسكن الذاكرة. رحل الأستاذ فهمي عمر، وتوارى الجسد، لكن بقيت في الأذن نبرةُ وقارٍ كانت تُذكّرنا أن للكلمة شرفًا، وأن الميكروفون أمانة.
ولد عام 1928 في أسيوط، كان صعيديًا أصيلاً؛ صلابةٌ في المبدأ، ورقّةٌ في المعشر، وحياءٌ لا يمنع من قول الحق. لم يعرف الصخب طريقًا إليه، ولم يحتج إلى استعراضٍ ليُثبت حضوره. كان يؤمن أن الجملة الهادئة أبلغ من الخطبة المدوية، وأن الإقناع يُولد من الصدق لا من الضجيج.
حتى أننا عروضنا عليه أن يتقدم لرئاسه لجنه الثقافه والاعلام في برلمان لكنه أعتذر مكتفياً بوكالة اللجنه.
في إذاعة القرآن الكريم، كان صوته ينساب بطمأنينة العارف، لا يخطئ المخارج ولا يستعجل المعاني. علّم أجيالًا أن اللغة بيتٌ إن أُهمل سقفه تساقطت جدرانه، وأن احترام المستمع يبدأ باحترام الحرف. لم يكن «شيخ الإذاعيين» ومؤسس الإعلام الرياضي ،لقبًا رسميًا بقدر ما كان مقامًا استحقه بعِشرةٍ طويلة مع الكلمة.
داخل ماسبيرو، كان أبًا مهنيًا قبل أن يكون مسؤولًا إداريًا. يفتح الباب للنصيحة، ويغلقه في وجه الاستسهال. يعرف أن الإعلام رسالةٌ قبل أن يكون مهنة، وأن من يطلب الضوء بلا استحقاق يحترق به.
في قاعة البرلمان عام 1995، رأيت فيه رجل الدولة الهادئ. كان يدخل مبتسمًا، يسأل عن أحوال الزملاء، ثم يجلس منصتًا كما لو كان طالب علم. وعندما يتحدث، تنخفض الأصوات من تلقاء نفسها. كنا نختلف سياسيًا أحيانًا، لكننا لم نختلف يومًا على نقائه.
برلمان عام 2000 حمل أحداثًا مؤسفة في دائرته الانتخابية، فغاب عنا، وحُرمنا من شرف استمرار زمالته. لم يكن الغياب هروبًا، بل اختيارًا كريمًا لرجلٍ آثر العزلة على الضجيج. ومع تقدّم العمر، توارى عن الأضواء السياسية والإعلامية، كما لو أنه أراد أن يترك أثره يتكلم بدلاً منه.
في السنوات الأخيرة، قلّ ظهوره، لكن أثره لم يقلّ. كلما سمعت صوتًا إذاعيًا متقنًا، تذكرت مدرسته. كلما رأيت إعلاميًا يحترم لغته، أدركت أن البذرة التي زرعها ما زالت تُثمر.
فهمي عمر لم يكن مجرد صوتٍ جميل، بل ضميرًا مهنيًا يمشي بين الناس. كان مدرسةً في التواضع، ومرآةً لصفاء القلب، ونموذجًا لصعيديٍّ جمع بين صرامة الحق ودفء الإنسانية.
اليوم نودّعه، لكن الوجوه التي لا تغيب لا تُوارى في التراب، بل تسكن في طبقات الصوت، وفي ذاكرة المكان. رحم الله الأستاذ فهمي عمر… فقد علّمنا أن الصوت إذا صدق بقي، وأن الكلمة إذا خرجت من القلب عاشت بعد صاحبها.







