موقع ديلي صباح : العلاقات بين أنقرة والقاهرة تعيد تشكيل ممر شرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر

ترجمة موقع أخبار الغد
إن التصدعات الجارية في حوض شرق البحر الأبيض المتوسط تدفع الدول إلى البحث عن تحالفات جديدة تقوم على أسس أكثر صلابة وواقعية. وفي هذا السياق، يبرز البحر الأبيض المتوسط باعتباره إحدى الساحات الرئيسية التي يُعاد فيها تشكيل نظام إقليمي جديد يتمحور حول الأمن والاقتصاد.
وتحوّل المنافسة العالمية الممتدة على محور البحر الأحمر–المتوسط المنطقة إلى واحدة من أكثر البؤر الجيوسياسية اضطرابًا، بما يجعل البحرين عمليًا حوضًا استراتيجيًا واحدًا. ويقع هذا المحور، حيث تنتشر الأطراف ذاتها على جبهات متعددة، في قلب السياسة الدولية نظرًا لاحتياطيات الطاقة، والعناصر الأرضية النادرة، وطرق التجارة البحرية، وممرات العبور العسكرية.
تبرز تركيا ومصر كقوتين حاسمتين في شرق المتوسط والشرق الأوسط. ويحمل مسار العلاقات بينهما أهمية تتجاوز الإطار الثنائي لتطال التوازنات الإقليمية والدولية. وبعد القطيعة التي شهدتها العلاقات عام 2013، عادت روح التقارب للظهور مجددًا. وقد دفعت البيئة التنافسية الإقليمية القاهرة نحو أنقرة، فيما توسعت العلاقات من التعاون التجاري إلى الأبعاد العسكرية والأمنية، ما أوجد أرضية جديدة لتقارب استراتيجي.
أحد أهم دوافع هذا التقارب يتمثل في الأزمات الأمنية المتشابكة التي تضرب المنطقة. فقد تحولت التطورات في السودان وغزة إلى تهديدات مباشرة للأمن القومي المصري، كما ألحقت عمليات الحوثيين في اليمن خسائر تجارية كبيرة بالقاهرة.
الاشتباكات التي اندلعت عام 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع هددت أمن البحر الأحمر، في وقت عززت فيه الاتهامات الدولية بشأن دعم إيران لفصائل عبر تدفقات أسلحة غير مباشرة من ترسيخ الحروب بالوكالة في مثلث السودان–اليمن–غزة. كما يشير انتشار الجماعات المسلحة عبر الحدود إلى هشاشة الجبهة الجنوبية لمصر.
وعلى جبهة غزة، دفعت الحرب بين حماس وإسرائيل، خاصة مع اقترابها من معبر رفح، مصر إلى قلب الأزمة. وأثارت السيطرة العسكرية الإسرائيلية المشددة حول المعبر ومحاولات إقامة مناطق عازلة مخاوف أمنية حادة في القاهرة، التي تخشى من امتداد الفوضى إلى سيناء.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع تصاعد التوتر العسكري في البحر الأحمر، إذ أصبحت قدرة إيران عبر الحوثيين على تعطيل الملاحة عاملًا يمس مباشرة أمن قناة السويس. ومع مرور ما يقارب 10% إلى 12% من التجارة العالمية عبر هذا المحور، فإن تراجع إيرادات القناة يجعل الاقتصاد المصري أكثر هشاشة ويدفع السياسة الخارجية نحو مزيد من البراغماتية.
من اليونان إلى تركيا
منذ عام 2020، دخلت الشراكات البحرية بين مصر واليونان مرحلة إعادة تقييم. ورغم المكاسب التي حققتها الاتفاقيات مع أثينا، فإن استبعاد تركيا لم يحقق توازنًا جيوسياسيًا مستدامًا. في المقابل، تشير تقديرات إلى أن اتفاقًا بحريًا محتملًا مع أنقرة قد يمنح مصر مناطق اقتصادية أوسع بكثير، ما يدفع القاهرة إلى تبني استراتيجية أكثر توازنًا دون قطع كامل لعلاقاتها مع اليونان.
البيئة الجغرافية المحيطة بمصر، إلى جانب بؤر الصراع في الشرق الأوسط وأفريقيا، تدفعها نحو شراكات أمنية تتجاوز الاتفاقيات البحرية. وبعد تعاون عسكري سابق مع اليونان في مواجهة تركيا، أعادت القاهرة توجيه بوصلتها نحو أنقرة، إذ تبين أن الشراكة السابقة لم توفر ضمانات كافية لأمنها. فاليونان تمتلك قدرات دفاعية أقل مقارنة بتركيا، كما أن دعمها لمصر في مواجهة محتملة مع إسرائيل يبدو غير مرجح.
ومن منظور توازنات القوى، تواجه مصر ضغوطًا متزامنة من سياسات إسرائيل الأمنية، واستراتيجية النفوذ الإماراتي، والمطالب اليونانية المتشددة في شرق المتوسط. وفي ظل هذه المعطيات، لا يبدو التقارب مع تركيا خيارًا بقدر ما هو ضرورة جيوسياسية، خاصة مع امتلاك أنقرة ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، وقوة بحرية معتبرة، وشبكة دبلوماسية إقليمية واسعة.
كما تشير مراجعة العقيدة العسكرية الإسرائيلية إلى أن إدراك التهديد يشكل محورًا أساسيًا لأمنها، مع تقييم قوى إقليمية أخرى كمخاطر طويلة الأمد. ورغم استبعاد استهداف مباشر لمصر على المدى القصير، فإن استراتيجيات الاحتواء والضغط غير المباشر تعزز من تصور التهديد في القاهرة، خاصة مع تمركز قوات إسرائيلية عند معبر رفح.
أحداث الخليج عام 2025، بما في ذلك الهجوم الصاروخي الإسرائيلي على قطر والجدل حول دعم أمريكي–بريطاني محتمل، عمّقت القلق المصري. وقد طرحت القاهرة فكرة تشكيل جيش عربي ونشر 20 ألف جندي، غير أن محدودية العمل العربي الجماعي دفعتها إلى البحث عن تحالفات بديلة.
كل هذه التطورات دفعت مصر بعيدًا عن الاصطفاف مع الشريك الإسرائيلي والثنائي اليوناني–القبرصي منخفض القدرة العسكرية، نحو التقارب مع تركيا ذات النفوذ والقوة الإقليمية. كما أن مستقبل الشراكة اليونانية–الإسرائيلية يظل غير واضح، في ظل جدل داخلي حول مستوطنات إسرائيلية في جنوب قبرص.
محور استراتيجي جديد
في المحصلة، يستند التقارب التركي–المصري إلى ضرورة جيوسياسية هيكلية. فالمنافسة المتصاعدة على امتداد محور البحر الأحمر–شرق المتوسط تدفع البلدين نحو التعاون بدل المواجهة. وفي ملفات أمن الطاقة، وحماية طرق التجارة، واحتواء الحروب بالوكالة، وصياغة توازنات إقليمية جديدة، قد يصبح محور أنقرة–القاهرة خطًا فاصلًا في المرحلة المقبلة.
ويمتلك التعاون متعدد الأبعاد بين البلدين فرصة أن يشكل نقطة تحول استراتيجية تؤثر في مستقبل المتوسط والبحر الأحمر، مع سعيهما لتعزيز حضورهما في ليبيا والسودان والصومال وغزة وسوريا.
وفي ظل اعتماد مصر الاقتصادي على الولايات المتحدة واتفاقياتها مع إسرائيل، تتحرك القاهرة عبر دبلوماسية متعددة المسارات. أما تركيا فتنظر إلى الشراكة من زاوية تعزيز موقعها الإقليمي عبر تحالفها مع واشنطن وعضويتها في الناتو وعلاقاتها المتوازنة مع موسكو.
ستظل منطقة شرق المتوسط والبحر الأحمر والشرق الأوسط مركزًا نابضًا بالتنافس الجيوسياسي في المرحلة المقبلة. وباعتبار مصر وتركيا فاعلين محوريين بقدراتهما العسكرية وموقعيهما الاستراتيجيين، فإن شراكتهما المحتملة قد تمثل عنصرًا حاسمًا في صياغة توازنات جديدة وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الإقليمي.
🔗 الاطلاع على المصدر:
موقع ديلي صباح (Daily Sabah) – تركيا



