نشاط تنظيم داعش يتصاعد في الشرق السوري تزامنا مع متغيرات ميدانية متسارعة

يشهد الشرق السوري تصعيدا ملحوظا في عمليات تنظيم داعش الإرهابي والتي أعقبت ظهور المتحدث الرسمي المدعو أبو حذيفة الأنصاري وإعلانه صراحة الدخول في مرحلة جديدة من الصراع المسلح، وتزامن هذا الإعلان مع تحركات عسكرية ميدانية شملت انسحاب القوات الأمريكية من عدة قواعد استراتيجية في المنطقة مما خلق فراغات أمنية يحاول التنظيم استغلالها لفرض واقع جديد، ويظهر تكرار نشاط تنظيم داعش في الشرق السوري كجزء من استراتيجية مدروسة تهدف إلى ضرب الاستقرار واختبار قدرة الأجهزة الأمنية السلطوية الجديدة على ضبط المشهد المعقد في ظل تبدل موازين القوى الدولية والمحلية، ويسعى التنظيم عبر هذا التصعيد إلى إثبات وجوده الميداني وترجمة خطابه التحريضي إلى هجمات فعلية تستهدف النقاط الحيوية والمراكز الأمنية الثابتة والمتحركة بشكل مكثف.
نفذ عناصر التنظيم هجوما مسلحا استهدف حاجز السباهية الواقع عند المدخل الغربي لمدينة الرقة حيث أسفر الاعتداء الأول الذي وقع يوم الأحد عن مقتل عنصر من قوى الأمن الداخلي وإصابة آخرين بجروح متفاوتة، وعاود التنظيم استهداف الموقع ذاته عصر يوم الاثنين مما أدى إلى مقتل أربعة عناصر إضافيين ونشوب اشتباكات عنيفة استمرت لنحو ثلاثين دقيقة متواصلة قبل انسحاب المهاجمين نحو البادية، وتؤكد هذه العمليات المتتالية أن نشاط تنظيم داعش في الشرق السوري لم يعد مجرد حوادث عابرة بل هو نمط عملياتي يعتمد على استنزاف القوات المرابطة في المنطقة “ج” والمناطق الحضرية، وامتدت هذه الهجمات لتشمل مدينة الميادين في محافظة دير الزور حيث قتل عنصر من الجيش السوري جراء إطلاق نار مباشر ونصب كمائن في ريفي سلوك والبصيرة لضرب التحصينات الدفاعية القائمة.
أبعاد الخطاب التحريضي وعودة القيادات الميدانية للواجهة
بث التنظيم عبر مؤسسة الفرقان تسجيلا صوتيا للمتحدث باسمه تضمن تهديدات مباشرة للسلطات القائمة وللرئيس أحمد الشرع داعيا العناصر المسلحة للانضمام لصفوفه وتصعيد الهجمات في بلاد الشام بشكل عام، ويربط المراقبون بين هذا الخطاب وبين الانكماش العسكري الأمريكي في قواعد مثل قسرك وتغير خارطة السيطرة بين دمشق وقسد بموجب اتفاق التاسع والعشرين من يناير الماضي، ويشكل نشاط تنظيم داعش في الشرق السوري تحديا أمنيا بالغا للترتيبات المحلية التي تهدف لإعادة توزيع الأدوار الأمنية وسد الفجوات التي خلفها الانسحاب الخارجي، وتستغل الخلايا النائمة هذه اللحظة الانتقالية لرفع كلفة أي تموضع عسكري جديد وإثارة الفوضى في المناطق التي تشهد إعادة هيكلة إدارية وأمنية واسعة النطاق لضمان بقاء المنطقة في حالة اضطراب دائم.
برز اسم القيادي السابق في التنظيم فيصل البلو المعروف بلقب “أبو أحمد” إلى الواجهة مجددا بعد الإفراج عنه مؤخرا من قبل فصائل محلية في منطقة تل أبيض عقب توقيف دام أياما قليلة، ويعد البلو أحد أبرز وجوه المرحلة الأولى للتنظيم حيث شغل منصب أمير القاطع الشمالي بين عامي 2014 و2016 وارتبط اسمه بملفات العشائر وعمليات أمنية واسعة في الرقة، وتثير عودة هذه الشخصيات الجدلية في توقيت يتزايد فيه نشاط تنظيم داعش في الشرق السوري تساؤلات حول طبيعة التفاهمات المحلية والشبكات العشائرية المتقاطعة، وتؤكد السجلات أن البلو تنقل بين عدة سجون ومناطق صراع وصولا إلى اتهامات سابقة بنقله إلى ليبيا قبل عودته مجددا عبر الحدود التركية بهوية مزورة مما يجعل ظهوره الحالي حدثا ذا دلالة أمنية في ظل التصعيد المعلن.
تداعيات الانسحاب الأمريكي واتفاقيات إعادة التموضع الأمني
تتزامن الهجمات مع رصد قوافل عسكرية أمريكية تنقل معدات ثقيلة من محافظة الحسكة في الثالث والعشرين من فبراير مما يعزز فرضية استثمار التنظيم لحالة السيولة الميدانية الناتجة عن تراجع الدعم الدولي المباشر، ويهدف نشاط تنظيم داعش في الشرق السوري إلى ضرب هيبة القوى الأمنية الصاعدة ومنعها من تثبيت أركان حكمها في الرقة ودير الزور عبر استهداف المداخل الرئيسية والمدن الكبرى، وتكشف المعلومات المسربة عن خطط لدى التنظيم لاستعادة نفوذه في البادية السورية واستخدامها كقاعدة انطلاق لشن غارات خاطفة ضد الأهداف العسكرية والمنشآت النفطية لتمويل عملياته المقبلة، وتظل قدرة السلطة الجديدة في دمشق على احتواء هذا التهديد معلقا على نجاح التنسيق الميداني مع القوى المحلية الفاعلة وقدرتها على سد الثغرات الجغرافية.
تعتبر العمليات الأخيرة اختبارا حقيقيا لمدى تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة محاولات الاختراق التي يقودها التنظيم عبر استقطاب عناصر سابقة أو استغلال المظالم المحلية لتعزيز صفوفه، ويبقى نشاط تنظيم داعش في الشرق السوري خطرا وجوديا يهدد الاستقرار الهش في مناطق شرق الفرات التي لا تزال تعاني من آثار الحروب المتلاحقة والدمار الذي طال البنية التحتية، ويشير التسلسل الزمني للأحداث إلى أن التنظيم ينتقل من مرحلة الكمون إلى المواجهة المفتوحة مستفيدا من انشغال القوى الدولية بملفات أخرى، مما يتطلب استراتيجية أمنية شاملة تتجاوز الردود العسكرية التقليدية لتشمل تجفيف منابع التمويل وتفكيك الخلايا الفكرية التي توفر الغطاء الشعبي واللوجستي لهذه التحركات الميدانية الخطيرة التي تهدد أمن المنطقة بأكملها وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية.






